رغم الأجواء التي رافقت الإعلان عن التفاهمات الأخيرة والحديث عن فرص لخفض التصعيد، فإن المشهد الإقليمي لا يمنح لبنان أسباباً كافية للاطمئنان. فما تحقق حتى الآن يبدو أقرب إلى صورة سياسية أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسويقها باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً، بينما يبقى مضمون الاتفاقات والتفاهمات غارقاً في التعقيدات الأمنية والسياسية، ومفتوحاً على احتمالات متعددة.
فالخبرة مع المنطقة تؤكد أن الاتفاقات التي تُصاغ تحت ضغط الحرب لا تكون بالضرورة نهاية للصراع، بل قد تتحول إلى مرحلة انتقالية يعاد خلالها ترتيب موازين القوى وفرض وقائع جديدة على الأرض. ومن هنا فإن القراءة المتأنية للمشهد اللبناني تقتضي الحذر أكثر من الاحتفال.
ويزداد هذا الحذر أهمية في ضوء التصريحات الإسرائيلية المتكررة التي لا تخفي نواياها المستقبلية. فوزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أن "المناطق التي نتواجد فيها في سوريا ولبنان وغزة ستبقى خالية من السكان"، وهي رسالة سياسية وعسكرية تتجاوز إطار العمليات المؤقتة، وتعكس تصوراً يقوم على إنشاء أحزمة أمنية أو مناطق عازلة عبر إفراغها من سكانها.
مثل هذه التصريحات تثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأهداف الإسرائيلية، وما إذا كانت الهدنة أو الاتفاقات المطروحة تمثل نهاية للحرب أم مجرد أداة لإعادة التموضع استعداداً لمرحلة جديدة. كما أنها تشير إلى أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع البيئة الحدودية باعتبارها مجالاً لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والأمني بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
أما على المستوى الأميركي، فإن إدارة ترامب تبدو معنية بتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية سريعة، وإظهار قدرتها على صناعة الاتفاقات وإدارة الأزمات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة معالجة جذور الصراع أو ضمان التزام جميع الأطراف بتفاهمات طويلة الأمد. فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن كثيراً من الاتفاقات كانت هشة، وسرعان ما انهارت أمام أول اختبار ميداني.
لبنان، الذي يعيش أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، يجد نفسه مرة أخرى في قلب معادلة إقليمية معقدة، تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية والإقليمية. ولذلك فإن أي رهان على استقرار دائم دون معالجة أسباب التوتر الأساسية قد يكون رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
💬 التعليقات (0)