منذ آلاف السنين، وما زالت أسطورة سيزيف حاضرة في الوعي الإنساني، ليس لأنها تحكي قصة رجل عوقب بدفع صخرة إلى قمة جبل، بل لأنها تعكس صورة تتكرر في حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات على حد سواء. فالصخرة لم تعد حجرًا ضخمًا، والجبل لم يعد مكانًا بعينه، بل أصبحا رمزين لكل جهد يبذله الإنسان في سبيل هدف يراه قريبًا، ثم يكتشف بعد سنوات من العمل أنه عاد إلى حيث بدأ.
كثيرون يعيشون تجربة سيزيف دون أن ينتبهوا إلى ذلك. موظف يكرر الروتين ذاته كل يوم دون أن يقترب من طموحه، وطالب يجتهد لكنه يكرر الأخطاء نفسها في كل مرحلة، ومؤسسة تضع الخطط ذاتها عامًا بعد عام وتنتظر نتائج مختلفة، ومجتمعات بأكملها تعيد إنتاج المشكلات نفسها ثم تتساءل عن أسباب تعثرها.
وفي معظم الأحيان لا تكمن المشكلة في حجم التحديات، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التمسك بالمألوف، حتى عندما تثبت التجربة أن الأدوات التي يستخدمها لم تعد قادرة على تحقيق الغاية المرجوة. وهنا يتحول الجهد من وسيلة للتقدم إلى مجرد حركة دائرية تستنزف الوقت والطاقة دون أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا.
ولعل أخطر ما في الأمر أن تكرار الفشل قد يتحول مع الزمن إلى عادة، وأن الاعتياد على المشهد قد يجعل الإنسان أقل قدرة على رؤية البدائل الممكنة. وعندما يحدث ذلك يصبح دفع الصخرة غاية بحد ذاته، بدلًا من أن يكون وسيلة للوصول إلى القمة.
غير أن الفرق الجوهري بين سيزيف الأسطورة والإنسان الحقيقي يتمثل في أن الإنسان يملك القدرة على التعلم. فسيزيف كان أسير عقوبة أبدية، أما الإنسان فليس محكومًا بالمصير ذاته. إنه قادر على التوقف للحظة، وتأمل الطريق الذي يسلكه، والتساؤل عمّا إذا كانت المشكلة في الصخرة أم في أسلوب دفعها أم في اختيار الطريق نفسه.
غير أن مراجعة المسار ليست مهمة سهلة كما تبدو. فالإنسان كثيرًا ما يخلط بين الثبات على المبدأ والتمسك بالوسيلة، وبين الإصرار المطلوب لتحقيق الأهداف والعناد الذي يمنعه من رؤية المتغيرات من حوله. ولهذا قد يستمر في دفع الصخرة سنوات طويلة وهو يعتقد أن مزيدًا من الجهد وحده كفيل بتحقيق النتيجة، بينما تكون المشكلة الحقيقية في الأسلوب أو في الطريق الذي اختاره منذ البداية.
💬 التعليقات (0)