منذ بدئها في فبراير/شباط 2022 لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية بهذا المستوى من الكثافة الدموية، ولم تمتد الخريطة العسكرية لتبتلع البلدين معا. فبينما تتسلل مسيّرات كييف إلى عمق الأراضي الروسية مستهدفة موانئ كراسنودار ومصافي سان بطرسبورغ والجسر البري المؤدي إلى شبه جزيرة القرم، ترد موسكو بموجات قصف صاروخي هي الأكثر شراسة على البنية التحتية الأوكرانية، وتستهدف ضواحي تشيرنوبل وزاباروجيا ومحطات الطاقة في كييف ودنيبرو وخاركيف.
وفي شهر واحد فقط، قفز عدد الضحايا المدنيين الأوكرانيين بنسبة 93% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إذ سقط 274 قتيلا ونحو 1763 جريحا، في حين تجاوزت حصيلة الحرب مقتل 16 ألف مدني و46 ألف مصاب منذ بدء الحرب.
وفي خلفية هذا التصعيد، يتقدم ملف انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي بعد سقوط الفيتو المجري وتنعقد قمم متلاحقة في لندن وتالين وإيفيان بمشاركة قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في حين تنشغل واشنطن بالحرب على إيران، وتُبلغ الأوروبيين رسميا عزمها على سحب ثلث مقاتلاتها من عمليات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في القارة الأوروبية.
ولم تعد الرسائل بين العواصم المنخرطة في هذه الحرب مكتوبة بنار المسيرات والقاذفات؛ لكنها تحولت إلى رسائل سياسية تلتقطها رادارات العواصم الأوروبية وواشنطن معا، وإن اختلف رد الفعل وترجمة ما تحمله كل رسالة.
وفي قراءة لمحللين تحدثوا للجزيرة نت، يذهب فريق منهم إلى أن ما يحدث هو نتاج "حالة عجز" روسي عن الحسم تدفع الكرملين إلى الانتقام من البنية التحتية المدنية بعد تعثر التقدم في الميدان، في حين يرى فريق مقابل أن التصعيد ليس سوى رد منطقي على توسع كييف في ضرب العمق الروسي بأسلحة غربية بعيدة المدى، كما يأتي ضمن مسار أشمل لإعادة تشكيل النظام الدولي ورسم حدود جديدة للأمن الأوروبي.
ويلتقي الفريقان عند خلاصة واحدة: المسار التفاوضي يكاد يكون غائبا في الأمد المنظور، وأوروبا تتقدّم من موقع الممول إلى موقع اللاعب الأول، وتتراجع واشنطن من قاطرة للقرار إلى شاهد يدير الملف من بعيد عبر قنوات خلفية.
💬 التعليقات (0)