ليست المعضلة في لبنان اليوم أن يتحدث المسؤولون عن الدولة، ولا أن يرفعوا شعار السيادة، ولا حتى أن يدعوا إلى احتكار السلاح بيد المؤسسات الرسمية... فهذه كلها عناوين يتفق عليها معظم اللبنانيين، بل ربما تشكل جزءا من الحلم الوطني الذي راود أجيالا متعاقبة منذ قيام الدولة اللبنانية... المعضلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الشعارات إلى أدوات انتقائية تستخدم ضد طرف دون آخر، وعندما يصبح الحديث عن السيادة منفصلا عن التاريخ، وعن الدولة منفصلا عن الوقائع، وعن الأمن منفصلا عن مصدر التهديد الحقيقي الذي واجهه لبنان لعقود وما زال يواجهه حتى اليوم... من هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة تصريحات الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام .. فكلا الرجلين قدما خطابا يبدو في ظاهره دفاعا عن الدولة اللبنانية واستقلال قرارها الوطني، لكنهما في العمق أعادا إنتاج سردية سياسية باتت تتكرر في المنطقة منذ سنوات، سردية تحاول نقل مركز المشكلة من الاحتلال إلى مقاومته، ومن العدوان إلى الرد عليه، ومن المعتدي إلى من يواجهه.
عندما يقول جوزيف عون إن مستقبل لبنان يجب أن يكون بيد اللبنانيين لا بيد إيران أو إسرائيل، تبدو العبارة متوازنة للوهلة الاولى. غير أن التوازن اللفظي لا يعني بالضرورة توازنا في المضمون. فالمساواة بين طرف احتل لبنان وقصف مدنه وقتل أبناءه ودمر بناه التحتية لعقود طويلة، وبين دولة تمتلك نفوذا سياسيا أو دعما لحليف لبناني، ليست مساواة قائمة على حقائق التاريخ بقدر ما هي مساواة شكلية تخاطب المزاج الدولي السائد.
إسرائيل ليست مجرد دولة مختلفة مع لبنان في الرؤية السياسية ... إسرائيل هي الدولة التي اجتاحت لبنان عام 1982 ووصلت دباباتها إلى بيروت ... إسرائيل هي التي احتلت الجنوب لسنوات طويلة. إسرائيل هي التي ارتبط اسمها بمجازر ومذابح وحروب واغتيالات وقصف متواصل للمدن والقرى اللبنانية... إسرائيل هي التي ما زالت حتى هذه اللحظة تنتهك الأجواء اللبنانية بصورة شبه يومية... وإسرائيل هي التي لا تزال تحتفظ بتاريخ طويل من العدوان المباشر على السيادة اللبنانية... أخبار ذات صلة نواف سلام يدعو حزب الله إلى "تغليب مصلحة لبنان والوفاء بتعهداته" ترامب يبلغ دولاً عربية برغبته في انضمامها لمعاهدات سلام مع "إسرائيل"
في المقابل، يمكن لأي لبناني أن يناقش طبيعة العلاقة مع إيران، أو حجم نفوذها، أو تأثيرها على القرار السياسي لبعض القوى اللبنانية، لكن تحويل هذه العلاقة إلى ما يعادل الاحتلال الإسرائيلي أخلاقيا وتاريخيا وسياسيا يمثل قفزة فوق الوقائع لا قراءة لها... فالتاريخ لا يكتب بالمجاملات الدبلوماسية، والذاكرة الوطنية لا يمكن أن تخضع لقواعد التوازن الخطابي المصممة لإرضاء العواصم الأجنبية... الأمر نفسه ينسحب على تصريحات نواف سلام التي جعلت من سلاح حزب الله جوهر الأزمة اللبنانية... فالرجل يتحدث عن حصرية السلاح بيد الدولة وعن ضرورة التزام اتفاق الطائف وعن تحويل حزب الله إلى قوة سياسية مجردة من أي بعد عسكري. وهي مواقف قد تبدو منسجمة مع مفهوم الدولة الحديثة، لكنها تتجاهل السؤال الذي يفترض أن يسبقها جميعا .. لماذا ظهر هذا السلاح أساسا؟ هل ولد سلاح المقاومة في فراغ ؟ هل نشأ نتيجة رغبة نظرية في حمل السلاح ؟ أم أنه جاء في سياق احتلال فعلي للأرض اللبنانية وعجز رسمي وعربي ودولي عن إنهاء هذا الاحتلال ؟
إن أخطر ما في الخطاب السياسي الحالي أنه يتعامل مع النتيجة باعتبارها السبب. يتحدث عن المقاومة وكأنها هي التي أنتجت الصراع، بينما الحقيقة التاريخية تقول العكس تماما... فالمقاومة لم تصنع الاحتلال، بل الاحتلال هو الذي صنع المقاومة... والمقاومة لم تخلق العدوان الإسرائيلي، بل العدوان الإسرائيلي هو الذي خلق البيئة التي سمحت بظهورها وتوسعها وتحولها إلى لاعب رئيسي في الحياة اللبنانية...
نعم يمكن للمرء أن يختلف مع حزب الله في السياسة والاقتصاد والتحالفات الإقليمية وإدارة الشأن الداخلي، لكن لا يمكنه أن يمحو من التاريخ حقيقة أن هذا التنظيم نشأ في ظل الاحتلال وأن جزءا كبيرا من شرعيته الشعبية ارتبط بمواجهة ذلك الاحتلال... محاولة اقتلاع هذه الحقيقة من سياقها ليست قراءة جديدة للتاريخ، بل إعادة صياغة متعمدة له...
💬 التعليقات (0)