يقول المثل إن الدنيا سداد ودين، وإن الجميل لا يضيع، وإن من يعطي اليوم يجد من يرد له غدا، لكن يبدو أن هناك استثناء وحيداً لهذه القاعدة، اسمه البترا.
فالمدينة التي ظلت لعقود طويلة أحد أكبر روافد الخزينة، والعلامة السياحية الأردنية الأشهر عالمياً، والتي حملت صورة الوطن إلى كل أصقاع الأرض، تبدو اليوم وكأن ما قدمته لم يكن استثماراً، بل ديناً على نفسها لا على الحكومة.
سنوات طويلة كانت البترا تدفع أكثر مما تأخذ، ملايين الزوار، وعوائد لا تنقطع، وحركة اقتصادية امتدت آثارها إلى خارج حدود المدينة بكثير، كانت ماكينة إنتاج حقيقية، ولم تطلب سوى أن تبقى عجلة الحياة دائرة.
لكن منذ أكثر من عامين، والمدينة تعيش واقعاً مختلفاً تماماً، ركود يزداد قسوة، وفرص تتآكل يوماً بعد يوم، وأسر كاملة فقدت مصدر دخلها الوحيد، والمفارقة المؤلمة -دون دراسة تحليلية علمية- أن أكثر من 75 % من أبناء المدينة باتوا يواجهون ظروفاً معيشية أشد من الفقر المدقع لمن يتابع واقع حياتهم، بعدما كانوا يعتمدون على قطاع واحد ظل لعقود مصدر الخير لهم ولغيرهم وأكرر "لغيرهم".
ولعل ما يميز البتراء عن كثير من المدن السياحية الأخرى أن غالبية المستثمرين فيها هم من أبنائها أنفسهم، ليست مدينة يسيطر على اقتصادها مستثمرون غرباء أو شركات أجنبية عابرة، بل أهلها هم أصحاب الفنادق والمخيمات والمحال والمكاتب السياحية والمشاريع الصغيرة، نعم فأنا أعرف أغلبهم، ولتتذكر الحكومة انهم أقل مدن الأردن سعيا لوظيفة حكومية تثقل كاهلها وأقل المدن الأردنية من طلبت مشروعا أو مصنعا بدعم حكومي لأن نسبة الشباب من أبنائها ممن استثمروا في البترا هي الأعلى أردنيا، شباب آمنوا بمدينتهم وبنوا أحلامهم على أرضها، ولم نسمع منهم يوما رغبة بهجرة أو استثمار خارج مدينتهم.
اليوم، هؤلاء لا يطلبون امتيازات استثنائية، ولا يبحثون عن مكاسب إضافية، كل ما يسألون عنه: متى يحين موعد سداد الدين؟ أو على الأقل متى يتجنبون زيادة الأعباء غير المنطقية عن أكتافهم؟
💬 التعليقات (0)