أمد/ مفهوم الرواية عند عبد الرَّحمن منيف، وصلته بالتاريخ، والسِّياسة
"منذ أنْ كنتُ صغيراً كان يبدو لي العالمُ هُلامياًَ، وكان يُفترض بكل إنسان أنْ يُساهم، بشكل ما، في إعطاء هذا العالم ملامح معينة، كنتُ أتمدَّد ساعات متواصلة على الأرض وأنا أرقب غيوم أواخر الخريف: كيف تتكوَّن، كيف تتداخل، كيف "تلعب"، (وأصرُّ على هذه الكلمة الأخيرة)؛ كنتُ أتمنَّى أنْ أفعل مثلها. فالسماء، وبالتالي الغيوم، هي انعكاس للأرض، للبشر. ولذلك افترضتُ، ومنذ ذلك الوقت المبكِّر، أنني قادر على إعادة تشكيل العالم، وأنه مطلوب مني ذلك!"(1)
على الرَّغم من أنَّ عبد الرحمن منيف قد كتب الكلمات التي قرأناها للتَّوِّ في العام 1990، أي بعد عقدين من الكتابة الروائية التي أنتجت تسع روايات صدرت تباعاً منذ العام 1973، فإنَّ إنساناً عاش في رحابة الطبيعة، بروعتها وقسوتها، أو في قلب صحراءٍ كانت هي مَسْقِطُ رأسه، وساحة ملعبه، ونبعُ أخيلة طفولته، ومرآة تأمُّلات صباه وفتوته، لن يستغرب، أبداً، أنْ يمدَّ طفلٌ نجديُّ الأب، عراقيُّ الأمِّ، عاش في قلب هذه الطبيعة الحُرَّة، فصار امتداداً لها، مسكوناً برحابتها، مكتشفاً عناصرها، ومعانياً قسوة جانبها القاسي، يده لالتقاط النجوم، أو أن يذهب إلى رحلة قنص مفتوحة يعود منها في كلِّ مرَّة وقد امتلأ وجدانه الصَّغير بفيضٍ من الأخيلة والرَّغبات والنبوءات والأماني التي تصل الأرض بالسماء، وتزرع هجير الصحارى ورمالها الغامضة برواء الغيمات وغموضها، وترى حاجات البشر الأرضيين وصور مستقبلهم في مرايا أحلامهم الشاسعة التي هي السماوات.
وعلى غرار تحوُّلات الغيوم وتشكلاتها، أخذت أمنية الطفل عبد الرَّحمن منيف في التَّحوُّل والتشكل مستندةً إلى ما استقرَّ في وجدانه من قناعة بالرِّسالة (ربما الوجودية) التي افترضها لنفسه أو التي طُِلَب منه أداؤها، ومن شعور بقدرته على أدائها، فما أنْ تجاوز مرحلة الطفولة ذاهباً إلى صباه حتَّى أدرك أنَّ "القوَّة الجسدية" هي الأداة التي ستمكَّنه من الشروع في أداء رسالته الخاصة بإعادة تشكيل العالم عبر اللَّعب مع مادة الحياة على غرار ما تفعل الغيوم بمادتها، فانطلق يعدُّ جسده، أو يُعيد تشكيله من خلال الرياضة، ليكتسب "القوَّة" التي يحتاجها. وإذْ أدرك أنَّ مهمته تحتاج قوَّة أكبر ربما لا يتوافر عليها بمفرده، انضمَّ إلى فريق من الصبية الأقوياء، غير أنَّ ذلك لم يسفر عن نتيجة تؤكِّد أنه صار قوياً، وقادراً، ومؤهلاً للشروع في إعادة تشكيل العالم، فواصل البحث عن تلك "القوَّة" الغائبة، التي لم يكن قد أدراك ماهيتها بعد!
كان عبد الرحمن منيف في حوالي الخامسة عشرة من عمره حين وقعت حرب العام 1948 التي أسفرت عن سقوط جزء كبير من فلسطين في قبضة العصابات الإرهابية الصهيونية التي سارعت إلى إعلان قيام "دولة إسرائيل" المغفلة الحدود، فوق ما احتلته من أرض فلسطين! وكان لهذا السقوط، وللإعلان الذي أعقبه أن يكسرا أحلام الصبي عبد الرحمن منيف، التي هي أحلام أمته، وأن يتركا في وجدانه اليقظ وعقله الفتيِّ "جرحاً عميقاً، وسؤالاً: الضعفاء، الضائعون، لا يستطيعون شيئاً"(2).
وهكذا عاد سؤال القوَّة ليفتح رحلة البحث عن ماهية القوَّة ومصادر اكتسابها، من جديد، فما كان لخطوات الشاب عبد الرَّحمن منيف، دارس الحقوق في جامعة بغداد منذ العام 1952، والمسكون بأحلام ذبيحة وجرح عميق وسؤال، إلا أن تقوده إلى تعرُّف الفكر القومي ممثلاً في حزب البعث، وإلى الانخراط في العمل السياسي الذي جعله يوقن أنه قد وصل إلى اكتساب القوَّة التي جعلها هدفاً تمكينيِّاً ظلَّ يسعى إليه، أو أنه قد شرع في عبور طريق يفضي إلى تحقيق هدف الحصول على تلك القوة التي أرادها وسيلةً لتحقيق أهداف إنسانيةٍ هي، دائماً، أنبل وأسمى!
💬 التعليقات (0)