تشهد العقائد العسكرية العالمية تحولا جذريا غير مسبوق، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين الحروب التقليدية التي تعتمد على العنصر البشري والمعدات الثقيلة، والحروب الذكية القائمة على هندسة البيانات والذكاء الاصطناعي.
هذا التحول لم يعد مقتصرا على تحديث الآليات، بل يمس جوهر القرار العسكري، وسط تحذيرات أممية وحقوقية متزايدة من تراجع الدور البشري ليصبح الإنسان تدريجيا "خارج دائرة التحكم الفعلي" في اتخاذ قرارات القتل والتصفية.
ففي تقريرها السنوي حول مستقبل النزاعات، أشارت مؤسسة راند (RAND Corporation) الأمريكية للأبحاث العسكرية إلى أن التفوق في الحروب الحديثة لم يعد يقاس بحجم الترسانة التقليدية، بل بالقدرة على معالجة "البيانات الضخمة" وتحويلها إلى أهداف عسكرية في أجزاء من الثانية.
ففي الحروب التقليدية، كانت دورة اتخاذ القرار التي تشمل الملاحظة، والتوجيه، والقرار، والتنفيذ، تستغرق ساعات أو أياما وتعتمد كليا على التقدير البشري للضباط في غرف العمليات. أما اليوم، في بيئة الحروب الذكية، تتدفق البيانات من آلاف المستشعرات، والطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية دفعة واحدة.
وهذه الضخامة جعلت العقل البشري، بحسب تقرير للجنة الأمن القومي الأمريكية المعنية بالذكاء الاصطناعي (NSCAI)، "عائقا زمنيا" في المعارك الخاطفة، مما دفع الجيوش لتفويض صلاحيات التحليل والاستهداف للخوارزميات.
لم يعد الحديث عن استقلالية الآلة في الحرب ترفا نظريا، إذ كشفت التحقيقات الاستقصائية لصحيفة الغارديان البريطانية عن الاعتماد المكثف على منظومات ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" (Lavender) و"ذا غوسبل" (The Gospel) لتوليد قوائم استهداف بشرية ومنشآتية بشكل آلي.
💬 التعليقات (0)