"تحت النافذة في الطابق 28 تنبسط داريا الجديدة. داريا لا تشبه تلك التي عرفناها في الصور القديمة؛ أبراج زجاجية متقابلة، حدائق معلقة، مسارات هوائية تمر فيها مركبات صامتة، وأشجار مزروعة وفق هندسة تراعي اتجاه الريح. لا أثر لندبة هنا، أو هكذا يبدو الأمر من هذا العلو. كل شيء معاد ترتيبه بعناية، حتى السماء تبدو أقرب، كأنها جزء من المشروع"
بهذا المشهد الاستباقي القادم من عام 2051، تطل بنا ألمى على مدينة داريا بريف دمشق؛ المدينة التي حولتها الآلة الوحشية للنظام السابق إلى أنقاض مهجورة غادرتها الحياة. وهي قفزة مستقبلية جريئة أرادت الكاتبة السورية نجد الحوراني أن تفتتح من خلالها روايتها "مسك أحمر"، لتضع القارئ منذ البداية أمام تصور أدبي لمدينة نُفض عنها غبار الحرب، وأُعيد تشكيل عمرانها وذاكرتها على نحو يثير أسئلة عميقة حول معنى الإعمار وحدود النسيان.
تحاول الرواية – الممتدة على 191 صفحة نصيا ونحو نصف قرن زمنيا – توظيف هذا الأفق المستقبلي لتطرح مقاربة مختلفة حول سوريا ما بعد حقبة نظام الأسد، من خلال سيرة عائلة وأجيال من الشخصيات التي تتقاطع حيواتها مع التحولات الكبرى للبلاد.
وبينما تتعقب الحوراني مصائر شخوصها، ينتقل السرد بين الذاكرة والمستقبل، وبين آثار الخراب وإغواء البدايات الجديدة، لتستكشف الكيفية التي يمكن بها لمجتمع خرج من حرب طويلة أن يعيد بناء ذاته؛ لا على مستوى الحجر فحسب، بل على مستوى العلاقات والثقافة والذاكرة الجماعية.
تعتمد الرواية على تقنية تعدد الأصوات والرواة؛ وتعتبر الأم سلمى والابنة ألمى وخطيب سلمى السابق أحمد الشخصيات والرواة الثلاثة الرئيسيين الذين ينحدرون جميعهم من داريا.
يُستهلّ الفصل الأول بعودة ألمى إلى مدينتها بعد تخرجها من كلية الطب في فرنسا بحلول عام 2051، لنتعرف من خلالها إلى داريا الجديدة ذات الأبراج العالية والروائح الزكية الفواحة، وإلى عائلة سلمى التي آثرت العودة إلى سوريا بعد عقود من الغربة في باريس لتؤسس حياة جديدة.
💬 التعليقات (0)