مدير مكتب العلاقات الدولية بجامعة الحسين بن طلال ومؤسس برنامج الماجستير بها.
تشير التحولات المتسارعة في الإستراتيجية الأمريكية خلال الأعوام 2024-2026 إلى أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من التفكير الإستراتيجي، لا تقوم على وهم الاستمرارية أو الهيمنة المطلقة، بل على إدارة واعية للتراجع النسبي، وإعادة تنظيم أدوات القوة بما ينسجم مع بيئة دولية تتجه نحو التعددية القطبية.
هذه المرحلة لا تعبر عن انسحاب أمريكي من النظام الدولي، بقدر ما تمثل انتقالا محسوبا من نموذج القيادة عبر الاستنزاف إلى نموذج القيادة عبر الانتقاء، حيث يعاد تعريف الدور، وتضبط الالتزامات، وتعاد هيكلة الأولويات.
في هذا السياق، جاء تقرير (مؤسسة راند للأبحاث) الصادر في أبريل/نيسان 2024، بعنوان: (مصادر الحيوية الوطنية المتجددة)، ليشكل الإطار الفكري التمهيدي لهذا التحول. لا ينطلق التقرير من فرضية الانهيار، بل من منطق تاريخي يرى أن القوى العظمى تمر بدورات من الصعود والركود، وأن "التجديد الوطني" ليس حتميا، بل هو خيار سياسي-مؤسسي يتطلب إصلاحات عميقة قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.
يلفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة تواجه مزيجا معقدا من التحديات الداخلية، كالتآكل المؤسسي والاستقطاب السياسي وتباطؤ الإنتاجية، إلى جانب تحديات خارجية بنيوية، يتصدرها صعود الصين بوصفها منافسا اقتصاديا وتكنولوجيا طويل الأمد. ومع ذلك، يؤكد أن واشنطن لا تزال تمتلك مقومات التجديد إذا ما أعادت مواءمة سياساتها الداخلية والخارجية ضمن رؤية شاملة.
هذا الإدراك النظري سرعان ما ترجم عمليا في "إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025″، التي مثلت محاولة واضحة لإعادة تعريف معنى الأمن القومي ذاته.
💬 التعليقات (0)