أمد/ يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فرضت على الدول البحث عن نماذج تنموية جديدة قادرة على تحقيق التقدم والاستقرار والعدالة الاجتماعية في آنٍ واحد، وفي خضم هذه التحولات، برزت تجربة جمهورية الصين الشعبية بوصفها واحدة من أكثر التجارب التنموية تأثيراً في العصر الحديث، ليس فقط بسبب معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي حققتها، بل أيضاً لما قدمته من رؤى نظرية وممارسات عملية في مجالات التنمية الشاملة ومكافحة الفقر وبناء التحديث الوطني.
في هذا السياق، تشكل أفكار شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد إطاراً فكرياً وسياسياً متكاملاً يسعى إلى الإجابة عن أسئلة التنمية والعدالة والتحديث في القرن الحادي والعشرين، وتنطلق هذه الأفكار من قراءة عميقة للواقع الصيني وخصوصياته التاريخية والحضارية والاجتماعية، مع الاستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية والانفتاح على تجارب الشعوب المختلفة، بما يحقق التفاعل الخلاق بين الخصوصية الوطنية والانفتاح العالمي.
وقد أثبتت الصين، من خلال مسيرة الإصلاح والانفتاح التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، أن التحديث ليس مساراً واحداً تحتكره دولة أو حضارة بعينها، بل هو عملية تاريخية متعددة المسارات، تتشكل وفقاً لظروف كل مجتمع واحتياجاته وإمكاناته، ومن هنا برز مفهوم "التحديث صيني النمط"، الذي يطرح رؤية مختلفة عن نماذج التحديث الغربية التقليدية، إذ يجمع بين النمو الاقتصادي السريع والتنمية الاجتماعية المتوازنة، وبين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين التقدم المادي والارتقاء الثقافي والأخلاقي والبيئي.
وتؤكد هذه الرؤية أن الإنسان يجب أن يبقى محور العملية التنموية وغايتها الأساسية، فالتحديث لا يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين وتعزيز كرامتهم الإنسانية وتوسيع فرصهم في التعليم والعمل والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والمشاركة في صنع مستقبلهم، ومن هذا المنطلق، وضعت الصين هدف "الرخاء المشترك" باعتباره أحد المرتكزات الرئيسة للتنمية في العصر الجديد، سعياً إلى تقليص الفجوات الاجتماعية وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار التنمية.
ولعل الإنجاز الأكثر أهمية في التجربة الصينية يتمثل في المعركة التاريخية ضد الفقر، فقد نجحت الصين في القضاء على الفقر المدقع، وانتشال مئات الملايين من المواطنين من أوضاع الحرمان خلال فترة زمنية تعد قصيرة وفق المقاييس التاريخية، وقد اعتبرت مؤسسات دولية عديدة هذا الإنجاز واحداً من أعظم الإنجازات التنموية في التاريخ المعاصر، ولم يكن هذا النجاح نتيجة النمو الاقتصادي فحسب، بل ثمرة استراتيجية شاملة اعتمدت التخطيط طويل المدى، والاستثمار المكثف في البنية التحتية، وتطوير المناطق الريفية، وتحسين الخدمات العامة، وتوجيه الموارد نحو الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً.
وتقدم التجربة الصينية في مكافحة الفقر جملة من الدروس المهمة للدول النامية، فهي تؤكد أن القضاء على الفقر ليس عملاً خيرياً أو سياسة ظرفية، بل مشروعاً تنموياً متكاملاً يتطلب إرادة سياسية واضحة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وآليات تنفيذ ومتابعة قادرة على تحقيق الأهداف المرسومة، كما تؤكد أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تستقيم إذا بقيت فئات واسعة من المجتمع خارج دائرة الاستفادة من ثمار النمو الاقتصادي.
💬 التعليقات (0)