يبدو أن القراءات السياسية التي تنبأت بسقوط سريع لنظام قيس سعيد في تونس قد جانبت الصواب، حيث أثبت الواقع أن الانقلاب لا يزال يمتلك أسباب البقاء. هذا الصمود لا يعود بالضرورة إلى قوة ذاتية يمتلكها النظام، بل يستمد أنفاسه من حالة الهوان والتشتت التي تعيشها القوى المعارضة بمختلف أطيافها.
تعاني الساحة السياسية التونسية من مفارقة غريبة، فبينما تتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تفشل النخب في صياغة مشروع وطني جامع. إن الضعف الواضح في أداء المعارضة يمنح السلطة الحالية فرصة للتمطط والاستمرار، مستغلة سوء النوايا المتبادل بين المكونات السياسية تجاه مفاهيم الديمقراطية.
لقد بدأت التحركات الشعبية في الشارع التونسي تأخذ أشكالاً متعددة، من وقفات جبهة الخلاص إلى احتجاجات المحامين والتحركات المناطقية في قابس. ومع ذلك، فإن هذه الفعاليات سرعان ما تفقد زخمها أو يتم اختراقها وتوجيه بوصلتها نحو صراعات جانبية تخدم السلطة القائمة بشكل مباشر.
شهدت العاصمة تونس مؤخراً خروج مسيرات شبابية لا تحمل شعارات حزبية واضحة، مما أعطى انطباعاً بإمكانية تشكل جبهة جديدة. لكن سرعان ما برزت الخلافات الأيديولوجية حينما حاولت فصائل يسارية تحويل مسار الاحتجاج ضد حزب النهضة بدلاً من التركيز على إسقاط المنظومة الحالية.
تتجلى أزمة المعارضة التونسية فيما يمكن تسميته بـ 'عقدة حزب النهضة'، حيث يرفض طيف واسع من النخب التنسيق مع الحزب رغم كونه قوة تنظيمية لا يستهان بها. هذا الرفض ينبع من مخاوف تتعلق بالوزن الانتخابي للنهضة في أي استحقاق ديمقراطي قادم، مما يجعل المعارضة في حالة شلل سياسي.
إن الكثير من الوجوه التي ترفع اليوم لواء المعارضة كانت في الأمس القريب من أشد الداعمين لإجراءات الرئيس قيس سعيد. هؤلاء راهنوا على قدرة السلطة الجديدة في تصفية خصومهم السياسيين، ولم ينقلبوا عليها إلا بعد أن طالتهم الأزمات المعيشية والكوارث الاجتماعية التي عصفت بالبلاد.
💬 التعليقات (0)