منذ العصور التي سبقت الإسلام وحتى يومنا هذا، لم تكن "الأهزوجة الشعبية" (الهوسة) مجرد كلمات تلقى في المناسبات، بل ركنا أساسيا وثابتا في بناء الهوية الثقافية والتاريخية للعشائر العربية الأصيلة في العراق، وسجلا حافلا يختزل بكلمات حماسية تهز الوجدان.
وفي حديثه عن هذا الفن الإرثي، يؤكد الشيخ جمال زرزور الساعدي -أحد شيوخ عشائر السواعد- أن المهاويل والشعراء هم "السجل الحي" الذي ينبض بتاريخ القبيلة: "إنهم يخلدون المعارك، ويشيدون بقيم الكرم والعطاء، ويوثقون حتى أعداد القبيلة وأماكن سكناها."
ويرى الساعدي أن هذا الفن ليس حكرا على العشيرة وحدها، بل هو سمة تشترك فيها كل الأمم والبلدان التي تحتاج إلى أدباء يمثلون تاريخها بصدق، ويستذكر الساعدي عمق هذا الدور عبر التاريخ، مشيرا إلى أنه منذ عهد الرسول محمد ﷺ، كان شاعره حسان بن ثابت يخلد معارك الإسلام ويمدح الأخلاق النبوية، واستمر هذا العطاء في العهدين الأموي والعباسي، وصولا إلى تجسيد ثورة الإمام الحسين التي صاغ الشعراء تفاصيل تضحياتها بدقة فائقة.
وفي محافظة ميسان (العمارة)، حيث البيئة التي تعج بالثقافة والشعر وأصوات الترحيب بـ"الخطار"، نشأ المهوال رزاق الكعبي، الذي توارث هذا الفن كابرا عن كابر وبدأ مسيرته الشعرية عام 2008، يصف "الهوسة" بأنها تمثل أصالة وتراثا ممتدا لعراقة "العقال العراقي"، ويبدع الكعبي في صياغة ألوان متعددة من هذا الأدب كالأهازيج والأبوذية والقفل والردة الحسينية، ويستدل على عراقة هذا الفن بمواقف أهل البيت، مستشهدا بأهزوجة القاسم بن الحسن في معركة الطف "إن تنكروني فأنا شبل الحسن".
ومن بين أهازيجه التي رددها في ميسان وحظيت بصدى واسع بين عشائر بني كعب، تبرز أهزوجته التحذيرية التي تدعو لاحترام الحدود والالتزام بالقيم الأخلاقية: "لا تتمادى نخبزك خبز العباس".
لا تنحصر الأهزوجة في بقعة واحدة؛ إذ يوضح الشيخ علي المياحي -أحد شيوخ عشائر المياحين- أن جغرافيا الأهزوجة تمتد من جنوب العراق إلى الأهواز العربية والفرات الأوسط بميدان واسع، ورغم هذا الامتداد يختلف الحماس والأداء من مدينة إلى أخرى، إذ يتميز الجنوب بزخم تفاعلي كبير، بينما تختلف طبيعة "الدبكة" في الفرات الأوسط.
💬 التعليقات (0)