تُعد صناعة الطيوب والعطور من أقدم الفنون التي عرفتها المجتمعات الإنسانية؛ إذ ارتبط استعمالها بالطقوس الدينية والشعائر الجنائزية، كما استُخدمت في مجالات الطب والتجميل، حتى أصبحت سلعة تجارية رفيعة القيمة تدخل في صميم الاقتصاد والسياسة الدولية القديمة.
وفي كتاب "معجم الطيوب والعطور" الصادر عن دار "منشورات المتوسط" (ميلانو، إيطاليا، عام 2025)، يفتح لنا الباحث والمحقق تيسير خلف خزائن العطر والطيب كما عرفها العرب عبر قرون طويلة. إنه رحلة في ذاكرة الروائح، يسعى عبرها المؤلف لتقديم مرجع معاصر لكل ما يخص الطيوب، كما تجلت في الحضارة العربية والإسلامية منذ بدايات التدوين في صدر العصر العباسي (750-1258) وحتى خواتيم العصر المملوكي الثاني (1382-1517).
يتناول الكتاب تاريخ صناعة العطور من منظور حضاري وثقافي؛ فلا يقف المعجم عند حدود التأثيل اللغوي للألفاظ أو استقصاء خصائصها النحوية والصرفية، بل يعيد ترتيب مفردات الطيب وصناعتها كما وردت في مختلف المؤلفات العربية القديمة؛ فيعرضها ضمن سياقاتها العلمية والاجتماعية؛ سواء في بطون كتب الكيمياء والطب والصيدلة، أو في مصنفات النبات، أو حتى في معاجم اللغة والآداب والتراجم.
يعد حرق البخور أول استخدام ملموس للعطر في العالم، وهي طريقة تعود إلى نحو 4000 سنة ماضية في حضارات بلاد ما بين النهرين، حيث كان للعطر وظيفة دينية حصرية داخل المعابد.
ويرد في كتاب "إيبلا الصخرة البيضاء" (ص 55) أن "المعابد السومرية اشتهرت بوجود الكاهنات اللواتي كُنَّ يُنْتَقَيْنَ ممن يملكن الجمال والصوت الرخيم، وتقوم الكاهنة بالتطيب والتعطر وتشعل البخور في أنحاء المعبد".
وفي السياق ذاته، عثرت الحفريات الأثرية في جنوب عمان وجنوب اليمن -خاصة "مأرب" عاصمة سبأ و"شبوة" عاصمة حضرموت– على مباخر قديمة تعود لأكثر من 4 آلاف عام.
💬 التعليقات (0)