أمد/ يا أهلنا في غزة العزة والكرامة...
يا من كتبتم بدمائكم وصبركم واحدة من أعظم صفحات الثبات في تاريخ الشعوب...
نخاطبكم اليوم في لحظة فارقة، لحظة تختلط فيها المشاعر وتتزاحم فيها الأسئلة وتتعدد فيها الرؤى. فمنكم من ينظر إلى الغد بعين الأمل، ومنكم من يراقبه بعين القلق، ومنكم من أنهكته الخيبات حتى أصبح لا يثق بأحد ولا ينتظر شيئاً من أحد. ولكل هؤلاء نقول: أنتم جميعاً محقون في مشاعركم. فما تعرض له شعبنا لم يكن حدثاً عابراً، بل جرحاً عميقاً أصاب كل بيت وكل أسرة وكل قلب. فمن فقد ابنه ليس كمن سمع عن الفقد، ومن عاش الجوع ليس كمن قرأه ومن نام بين الخوف والدمار ليس كمن شاهده عبر الشاشات. لذلك لا نطلب من الناس أن تنسى آلامها، ولا أن تتجاوز جراحها بين ليلة وضحاها، ولكننا ندعوها إلى أمر أعظم وأهم: أن لا تسمح لهذه الآلام بأن تفرقها أو تسرق منها قدرتها على النهوض.
إن أخطر ما يواجه الشعوب بعد الكوارث ليس الدمار الذي أصاب الحجر، بل الدمار الذي قد يصيب الوعي. وأخطر ما يهدد المجتمعات ليس الفقر أو الحصار فقط، بل أن يتحول أبناؤها إلى جماعات متناحرة يفقد بعضها الثقة ببعض. ولهذا فإن مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية اليوم تفرض علينا أن نرتفع فوق الانقسامات، وأن نقدم مصلحة شعبنا على كل اعتبار، وأن ندرك أن المرحلة القادمة تحتاج إلى وحدة الكلمة أكثر مما تحتاج إلى كثرة الشعارات.
إن الخوف مشروع، لكن الاستسلام له ليس حلاً. والغضب مفهوم، لكن تحويله إلى يأس لن يبني مستقبلاً. والتفاؤل مطلوب، لكن دون أن يتحول إلى تجاهل للتحديات.
نحتاج اليوم إلى وعي يجمع بين الحقيقة والأمل، بين الواقعية والطموح، بين الحذر والثقة بالله. نحتاج إلى أن نؤمن بأن غزة ليست مجرد مكان تعرض للعدوان، بل مجتمع حي يمتلك القدرة على التعافي وإعادة البناء مهما كانت الجراح كبيرة. نحتاج إلى أن نحمي أبناءنا من ثقافة الكراهية، وأن نزرع فيهم ثقافة الحياة والكرامة والعلم والعمل، لأن معركة المستقبل لن تُحسم بالشعارات وحدها، بل بالإنسان الواعي القادر على البناء.
💬 التعليقات (0)