داخل خيمة صغيرة أنهكها الحر والانتظار، يجلس حاتم أبو سلطان إلى جوار زوجته المريضة. يراقبها وهي تحاول مقاومة الألم الذي ينهش جسدها منذ أحد عشر عامًا بسبب الفشل الكلوي، ثم يلتفت نحو الطريق الممتد أمام الخيمة، كأنه ما زال ينتظر شخصًا تأخر في العودة.
قصة حاتم ليست مأساة واحدة، بل سلسلة طويلة من المآسي المتشابكة التي تتفرع من بعضها بعضًا. كلما ظن أن الحزن بلغ منتهاه، فتحت الحياة أمامه بابًا جديدًا من الوجع.
كان أبو سلطان يعيش مع زوجته وأبنائه الثلاثة حياة بسيطة، قبل أن تبدد الحرب تفاصيلها كلها. في بدايات الحرب، استشهد ابنه الأصغر، الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره. رحل الفتى تاركًا خلفه غرفة فارغة وأحلامًا صغيرة لم تكتمل، فيما حاول الأب والأم التماسك أمام الفاجعة.
لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد. ففي منتصف الحرب، كان الابن الثاني يخرج إلى مراكز توزيع المساعدات الأمريكية (الإسرائيلية) بحثًا عن كيس طحين أو بعض الطعام الذي يعين العائلة على البقاء. كان يعود أحيانًا بما يحصل عليه، فتتنفس الأسرة شيئًا من الطمأنينة وسط الجوع.
وفي إحدى المرات خرج كما اعتاد أن يفعل، لكنه لم يعد. انتظره والده ساعات طويلة، ثم بدأ يسأل الشبان الذين كانوا معه. كانت الإجابات أكثر قسوة من الاحتمال. حيث قالوا له إن قوات الاحتلال أطلقت النار على مجموعة من الشبان في المكان، ما أدى إلى استشهاد أربعة منهم، بينما اعتُقل آخرون. لكن أحدًا لم يكن يعرف على وجه اليقين مصير الابن. منذ ذلك اليوم، بقيت العائلة معلقة بين احتمالين موجعين: الاستشهاد أو الاعتقال. لا شهادة وفاة تنهي الانتظار، ولا خبر مؤكد يبعث الأمل.
أما الأم، فتكاد تحمل من الألم ما يفوق قدرة الجسد. فهي لا تبكي أبناءها فقط، بل تبكي أيضًا جسدها الذي لم يعد قادرًا على الحركة أو الاحتمال. فمنذ أحد عشر عامًا تعيش مع مرض الفشل الكلوي، وكانت تحتاج إلى أربع جلسات غسيل أسبوعيًا للحفاظ على استقرار حالتها الصحية.
💬 التعليقات (0)