في صنعاء، تقاوم "القمريات" الصنعانية تداعيات سنوات من النزاع، والركود الاقتصادي، وتراجع أعمال الترميم، لتظل شاهدة على هوية بصرية ترفض الاندثار، و"القمرية" ليست مجرد نافذة تعلو الأبواب والشبابيك، بل هي بمثابة "عين المدينة التي لا تغمض جفونها"، وروح العمارة اليمنية التي تمنح المنازل الطينية العتيقة دفقا من الحياة والخصوصية.
يعود تاريخ هذه القطع الفنية إلى قرون مضت؛ حيث يوضح الأستاذ علي سيف، أستاذ الآثار في جامعة صنعاء، الجذور التاريخية لهذه الحرفة قائلا: "القمرية هي علامة يمنية أصيلة، بدأ تاريخها منذ ما قبل الإسلام، وتحديدا في عهد الدولة السبئية. وقد أشار المؤرخ الهمداني إلى ذلك عند وصفه لبناء قصر غمدان الشهير، حيث ذكر أن المفرج (المجلس العلوي) في أعلى القصر كان مغطى بلوح واحد من الرخام، وهي في جوهرها القمرية الأولى".
وعلى الرغم من هذا التاريخ الممتد، تعيش هذه الحرفة اليوم مخاضا عسيرا. فقد فرضت سنوات الحرب والركود الاقتصادي ظلالا ثقيلة على الحرفيين، وساهم انتشار النوافذ والمواد الجاهزة المستوردة في تغيير ملامح العمارة التقليدية تدريجيا. ومع تراجع مشاريع ترميم المدن التاريخية، باتت الحرفة تواجه خطر الانحسار الشديد.
وداخل ورشة صغيرة وسط أزقة صنعاء، يتحدى الحرفي ياسر الوصابي هذه الظروف الصعبة. كرس الوصابي 16 عاما من حياته لصناعة القمريات، حيث يطوع بأنامله الجبس والزجاج الملون، ليحولها إلى لوحات هندسية بديعة تعيد تشكيل الضوء المنساب إلى داخل المنازل.
وأكد الوصابي أن إنجاز قمرية واحدة قد يستغرق منه أياما طويلة من العمل المضني والصبر. وبالنسبة له، فإن الدافع وراء التمسك بهذه المهنة الشاقة لم يكن يوما ماديا خالصا، بل هو دافع يسكنه الشغف لإنقاذ إرث بصري وتاريخي من خطر الاندثار، وإبقاء نوافذ صنعاء مشرعة على الجمال والأصالة مهما بلغت قسوة الظروف.
ومن أبرز التحديات التي تواجه "القمريات" اليوم، الركود الاقتصادي وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وتراجع أعمال الترميم والصيانة للمباني الأثرية القديمة، وغزو المواد الجاهزة والمستوردة التي تهدد الطراز المعماري الأصيل.
💬 التعليقات (0)