كاتب صحفي وعضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
شكّلت سياسة الاغتيالات الإسرائيلية، على امتداد عقود الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إحدى الأدوات المركزية التي اعتمدتها تل أبيب في مواجهة القيادات السياسية والعسكرية الفلسطينية. وقد انطلقت هذه السياسة من فرضية مفادها أن تصفية القادة يمكن أن تُضعف الحركات الوطنية وتحدّ من قدرتها على الاستمرار والتأثير. غير أن التجربة التاريخية أثبتت، في كثير من الحالات، أن الاغتيال الجسدي لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الأفكار أو محو الرموز التي تتجذر في الوعي الجمعي للشعوب.
في هذا السياق، يبرز اسم الشهيد القائد خالد نزال بوصفه نموذجاً فلسطينياً يعكس حدود القوة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة الرمزية الوطنية. فالرجل الذي اغتالته أجهزة الموساد في العاصمة اليونانية أثينا عام 1986 لم يكن مجرد عضوٍ في اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ومسؤولٍ عن قوات إسناد الداخل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل كان أحد وجوه جيل فلسطيني ارتبطت تجربته السياسية بمراحل مفصلية من تطور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
وُلد خالد نزال في بلدة قباطية عام 1948، وهو العام الذي شهد نكبة الشعب الفلسطيني وتشريد مئات الآلاف من أبناء وطنه. ومنذ سنواته الأولى، تشكّل وعيه السياسي في ظل واقع الاحتلال والاقتلاع، ما دفعه إلى الانخراط المبكر في العمل الوطني الفلسطيني. ومع صعود الحركة الوطنية الفلسطينية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، برز نزال كأحد الكوادر القيادية التي ساهمت في بناء المؤسسات السياسية والتنظيمية للحركة الوطنية، واضعاً في مقدمة أولوياته الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني.
لم ينظر نزال إلى الصراع مع الاحتلال باعتباره مواجهة عسكرية فحسب، بل باعتباره صراعاً على الهوية والحقوق والرواية التاريخية. ولذلك ارتبط اسمه بالدفاع عن استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وبمحاولة بناء مشروع سياسي قادر على الجمع بين المقاومة الوطنية والرؤية السياسية التي تحفظ الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
عندما نفذت إسرائيل عملية اغتياله في أثينا، كانت تسعى إلى توجيه رسالة سياسية تتجاوز شخصه، مفادها أن يدها قادرة على الوصول إلى خصومها أينما وجدوا. إلا أن النتائج السياسية لمثل هذه العمليات كثيراً ما تختلف عن الأهداف المعلنة لها. فبدلاً من إنهاء تأثير القائد المستهدف، تتحول سيرته إلى جزء من الذاكرة الوطنية، ويصبح حضوره أكثر ارتباطاً بقيم التضحية والصمود التي تجسدها حركات التحرر الوطني.
💬 التعليقات (0)