في حقول رواندا الخضراء، حيث تتحرك أيدي المزارعين اليوم لحرث الأرض وجني المحاصيل، تبدو المشاهد عادية لمن يراها لأول مرة: رجال ونساء يعملون جنبا إلى جنب لبناء اقتصاد بلدهم. لكن خلف هذه الصورة الهادئة تختبئ ذاكرة مؤلمة، فالأدوات نفسها التي يستخدمونها اليوم في الزراعة كانت قبل ثلاثة عقود رمزا لأحد أكثر فصول التاريخ دموية.
في عام 1994، تحولت رواندا إلى مسرح لإبادة جماعية راح ضحيتها نحو مليون شخص من أبناء عرقية التوتسي، تاركة خلفها مجتمعا ممزقا واقتصادا منهكا فقد نصف ناتجه المحلي.
وبعد ثلاثين عاما، تحاول رواندا كتابة قصة مختلفة: قصة بلد اختار أن يتجاوز الماضي عبر مشروع يقوم على الوحدة والتنمية، لا على الانتقام والانقسام.
يقول أحد الروانديين لمراسلة الجزيرة من كيغالي روعة أوجيه إن البلاد أدركت أن الاستمرار في دائرة العقاب لن يقودها إلى المستقبل الذي تريده، مشيرا إلى أن الموارد التي كانت تنفق على السجون كان يمكن أن توجه إلى بناء المنازل ومساعدة الضحايا وإعادة إعمار البلاد.
ويضيف أن الروانديين اليوم قد لا يستطيعون قياس حجم المحبة بينهم، لكنهم يجتمعون حول هدف واحد؛ بناء الطرق، وتوفير المياه والكهرباء، وتحقيق النمو الاقتصادي الذي يعود بالنفع على الجميع.
بهذا المنطق، اختار الروانديون أن يجعلوا من التنمية لغة المصالحة، وأن يحولوا التركيز من صراعات الماضي إلى طموحات المستقبل. فالحكومة تسعى إلى تحويل البلاد إلى ما تسميه "سنغافورة أفريقيا"، عبر جذب الاستثمارات العالمية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والمال، وفتح المجال أمام الشركات الكبرى.
💬 التعليقات (0)