في اللحظة نفسها يصرخ الملايين حول العالم من أدنى الأرض إلى أقصاها فرحين بالهدف الحاسم، تجمعهم الفرحة والحماس لفريق واحد رغم اختلاف ألوانهم وأعراقهم. يهللون لفوز ناد لم يسبق أن زاروا مدينته أو قابلوا لاعبيه، ويذرفون الدموع لهزيمته وكأنها انكسار شخصي.
كيف تحول التشجيع الرياضي من مجرد متعة عابرة إلى انتماء وهوية قد يدفعان صاحبهما إلى المخاطرة من أجل فريق لا يلعب فيه؟
لفهم مشاعر الانتماء لدى المشجع الرياضي يمكن الانطلاق من "نظرية الهوية الاجتماعية" التي طورها عالم النفس البولندي البريطاني هنري تاجفيل مع زميله جون تيرنر في سبعينيات القرن الماضي. ترى هذه النظرية أن الإنسان يعرف نفسه جزئيا من خلال الجماعات التي ينتمي إليها، سواء كانت قائمة على القومية أو الدين أو المهنة أو حتى الفرق الرياضية، وأنه يسعى للانتماء إلى جماعة يشعر بأنها "فائزة" أو مهيمنة كي يحقق ما سماه الباحثان "التميّز الإيجابي"، أي تعزيز الشعور بالذات عبر تفوق مجموعته على الآخرين.
في هذا السياق لا يعود الفريق مجرد كيان خارجي، بل جزء من الهوية الشخصية. المشجع يصنف نفسه في خانة جمهور فريق بعينه ويتبنى قيمه ورموزه ويتحدث عنه بضمير "نحن"، ويقارن فريقه بالفرق الأخرى لتعزيز صورته الذاتية عبر انتصاراته. لذلك حين يقول وهو جالس على الأريكة "فزنا" أو "خسرنا" فهو لا يبالغ لغويا بقدر ما يعبر عن هوية اجتماعية تشكلت تدريجيا.
هذا الارتباط وثقته دراسات في علم النفس الاجتماعي، من أشهرها دراسة روبرت تشالديني التي تابعت سلوك طلاب الجامعات بعد مباريات كرة القدم الأمريكية. أظهرت الدراسة أن الطلاب يميلون إلى ارتداء ملابس تحمل شعارات فرقهم والتحدث عنها بضمير "نحن" بعد الفوز، بينما يتجنبون هذه الملابس ويشيرون إلى الفريق بضمير الغائب "هم" بعد الهزيمة.
أطلق الباحثون على هذه الظاهرة "الاستمتاع بالمجد المنعكس"، في مقابل ظاهرة مكملة هي "قطع الصلة مع الفشل المنعكس". استخدام ضمير "نحن" يعكس اندماج الفرد مع انتصار فريقه كي يستعير جزءا من مجده ويعززه في صورته الذاتية، أما التحول إلى "هم" فيعبر عن محاولة لا واعية لوضع مسافة عازلة تحمي الأنا من تجرع مرارة الفشل بالكامل.
💬 التعليقات (0)