لم تكن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة بشأن استئناف الحوار مع موسكو مجرد مناورة دبلوماسية عابرة، بل حملت أبعاداً استراتيجية عميقة. فبعد سنوات من كونه أحد أبرز الوجوه الأوروبية المنادية بتشديد الضغوط، عاد ماكرون ليؤكد أن الوقت قد حان لتنظيم حوار مع الروس حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، بدءاً من أمن القارة وصولاً إلى كيفية التعايش كجيران.
تأتي هذه التحولات في توقيت حساس يشي بأن القارة الأوروبية بدأت تقترب من نقطة الاعتراف بالواقع الذي حاولت تجنبه طويلاً. وتفيد هذه الرؤية بأن إنهاء الصراع في أوكرانيا لا يمكن أن يتحقق دون الوصول إلى تفاهمات ترضي روسيا، إذ لا يمكن بناء نظام أمني مستقر ومستدام في ظل عزل القوة النووية الأكبر في القارة.
وقد جاءت كلمات ماكرون في أعقاب دعوة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لنظيره الروسي لعقد لقاء مباشر، وهي الخطوة التي وصفها الإليزيه بأنها 'مبادرة جيدة'. هذا الترحيب الفرنسي، الذي لاقى صدى إيجابياً في بروكسل، يعكس قناعة أوروبية متزايدة بأن الباب الروسي يظل ممراً إلزامياً لأي تسوية سياسية شاملة في المستقبل القريب.
لقد أثبتت الوقائع الميدانية والاقتصادية أن موسكو لم تنهار تحت وطأة العقوبات الغربية القاسية، كما لم تتراجع عسكرياً بالقدر الذي يجبرها على قبول شروط الغرب. بل على العكس، استطاعت روسيا الصمود وفرض نفسها كلاعب مركزي لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الأوروبي، مما دفع خصومها لإعادة النظر في جدوى سياسة القطيعة التامة.
منذ اندلاع الحرب، استندت استراتيجية الاتحاد الأوروبي إلى ثلاثة محاور رئيسية هي العقوبات، والدعم العسكري لكييف، والعزل السياسي لموسكو. ومع مرور أكثر من أربع سنوات، يبدو أن هذا الرهان لم يحقق أهدافه النهائية، حيث لا تزال روسيا تمتلك أوراقاً قوية في أسواق الطاقة والتوازنات الدولية، مما يجعل فكرة إخراجها من النظام الأمني الأوروبي أمراً غير واقعي.
ويعبر حديث ماكرون عن 'أمننا نحن' و'التعايش كجيران' عن اعتراف ضمني بأن روسيا جزء لا يتجزأ من الجغرافيا السياسية للأمن الأوروبي. هذا التحول ينسف الفرضية السابقة التي قامت على إمكانية بناء استقرار طويل الأمد في القارة عبر تهميش موسكو، ويؤكد أن أي هندسة أمنية لا تشمل الروس ستظل ناقصة وقابلة للانفجار في أي لحظة.
💬 التعليقات (0)