تحل ذكرى رحيل المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي لتفتح من جديد جراح الأسئلة المعلقة حول طبيعة الحكم في المنطقة العربية. فبعد مرور أكثر من قرن على غيابه، لا يزال سؤاله الجوهري حول طبائع الاستبداد يفرض نفسه على الواقع السوري والعربي المثقل بالحروب والانهيارات المؤسساتية.
إن الإشكالية التي طرحها الكواكبي لم تكن مرتبطة بشخص الحاكم أو هويته، بل بالبنية السياسية التي تسمح بتحول السلطة إلى أداة لقمع المجتمع بدلاً من تنظيمه. هذا التحول يجعل من الدولة إطاراً يخشى مواطنيه، مما يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة وتحول المجال العام إلى ساحة للضبط والرقابة الصارمة.
يرى الكواكبي أن الاستبداد منظومة شاملة تتجاوز حدود العمل السياسي لتطال العلم والدين والأخلاق، حيث يتحول الخوف إلى نمط حياة يومي. وفي ظل هذه البيئة، يصبح الصمت وسيلة وحيدة للنجاة الفردية، مما يعطل قدرة المجتمع على الفعل الجماعي أو التأثير في صناعة القرار الوطني.
لو أسقطنا فكر الكواكبي على الواقع السوري المعاصر، لوجدنا أن الأزمة لا تكمن فقط في شكل النظام، بل في عمق العلاقة بين الدولة والمواطن. فقد جرى على مدى عقود تهميش دور الإنسان بوصفه شريكاً، ليتحول إلى مجرد موضوع للإدارة الأمنية والضبط الإحصائي بعيداً عن أي فاعلية سياسية.
تتجلى خطورة 'الدولة الأمنية' في قدرتها على إعادة إنتاج نفسها حتى بعد تغير الشعارات أو النخب السياسية الحاكمة. فالمشكلة تبدأ عندما ترى السلطة في مشاركة الناس مصدر تهديد لشرعيتها، مما يدفعها لتوسيع صلاحيات الأجهزة الرقابية على حساب المؤسسات المدنية والتمثيلية.
في هذا السياق، يلتقي فكر الكواكبي مع أطروحات مالك بن نبي الذي بحث في الشروط النفسية والاجتماعية التي تجعل المجتمعات قابلة للهيمنة. فغياب شروط الفاعلية لدى المواطن يجعل من السهل إعادة إنتاج أنماط الاستبداد القديمة بأسماء وعناوين جديدة تفتقر للجوهر الديمقراطي.
💬 التعليقات (0)