أمد/ جاءت الضربة الإسرائيلية داخل إيران في توقيت بالغ الحساسية، ليس فقط لأنها أنهت عملياً فترة من التهدئة النسبية بين الطرفين، بل لأنها وضعت إسرائيل والولايات المتحدة أمام أول اختبار حقيقي لتباين أولوياتهما منذ استئناف المفاوضات مع طهران. ففي الوقت الذي تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، تبدو حكومة بنيامين نتنياهو أكثر ميلاً إلى توظيف التطورات الأمنية ضمن حسابات سياسية داخلية تتصل بالمشهد الانتخابي الإسرائيلي.
ولا يتعلق الأمر فقط بالمخاوف الأميركية من اتساع رقعة الحرب، بل أيضاً بالتوقيت الحساس الذي يأتي قبل نحو ثلاثة أيام من افتتاح بطولة كأس العالم، الحدث الرياضي الأكبر عالمياً والذي تراهن واشنطن على نجاحه سياسياً وإعلامياً. فإدارة ترامب لا تريد أن تتصدر صور الصواريخ والانفجارات في الشرق الأوسط نشرات الأخبار العالمية بالتزامن مع انطلاق البطولة، ولا أن تتحول المنطقة إلى مصدر توتر دولي يطغى على حدث تسعى الولايات المتحدة إلى توظيفه لإبراز صورتها كقوة قادرة على توفير الاستقرار وقيادة المشهد الدولي.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي تصعيد واسع مع إيران قد يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض الجهود الدبلوماسية الجارية، كما قد يضع واشنطن أمام استحقاقات عسكرية وسياسية لا ترغب في خوضها حالياً. لذلك جاءت الرسائل الأميركية الأخيرة داعية إلى الاحتواء ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
لكن في إسرائيل تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالمشهد السياسي يعيش حالة من الاستقطاب الحاد، فيما تظهر استطلاعات الرأي تقارباً ملحوظاً بين الأحزاب والكتل المتنافسة. وفي ظل هذا الواقع يدرك نتنياهو أن أي تطور أمني كبير يمكن أن يؤثر في المزاج العام ويعيد ترتيب الأولويات لدى الناخب الإسرائيلي.
وتكتسب هذه الحسابات أهمية خاصة في ظل تقارب نتائج استطلاعات الرأي وصعوبة حسم أي معسكر للأغلبية بصورة مريحة، ما يجعل القضايا الأمنية عاملاً حاسماً في توجيه مزاج الناخبين.
لطالما سعى نتنياهو إلى ترسيخ صورته باعتباره رجل الأمن الأول في إسرائيل والقائد القادر على مواجهة التهديدات الإقليمية، ولذلك فإن استمرار التوتر مع إيران وحزب الله يمنحه فرصة لإعادة توجيه النقاش الداخلي بعيداً عن الانتقادات المتعلقة بأداء الحكومة، والملفات الاقتصادية والاجتماعية، والجدل المتواصل حول نتائج الحرب الممتدة في أكثر من جبهة.
💬 التعليقات (0)