لا يسرق السهر الطويل ساعات الراحة فقط، بل يربك إيقاع الجسم كله. فحين يضطرب النوم، تتأثر الهرمونات والمزاج والطاقة، ويصبح الجهاز العصبي أكثر حساسية للضغوط اليومية. عندها قد تتحول مواقف بسيطة بين الزوجين إلى انفعال أو سوء فهم، لا لأن العلاقة مضطربة بالضرورة، بل لأن الجسد والعقل لم يحصلا على ما يكفي من الراحة.
في هذا السياق، يوضح الطبيب الصيدلي بمستشفى الجفيري للتشخيص والعلاج الدكتور مصطفى جودة أن قلة النوم قد تؤثر في التوازن الهرموني، ومنه هرمون التستوستيرون المرتبط بالرغبة لدى الرجل والمرأة. فالنوم العميق يساعد على رفع مستوى هذا الهرمون، بينما قد يؤدي اضطراب النوم إلى انخفاضه، خصوصا لدى من يعانون مشكلات هرمونية سابقة.
ولا يتوقف الأمر عند التستوستيرون، إذ قد يؤدي السهر إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول، الذي يفترض أن ينخفض ليلا. ومع بقائه مرتفعا، قد تتراجع الرغبة وتتأثر نواقل عصبية مرتبطة بالمزاج والشعور بالارتياح، مثل الدوبامين والسيروتونين، فتظهر المشكلة في صورة فتور عاطفي أو جنسي أو توتر داخل العلاقة.
ومن الهرمونات إلى المزاج، تظهر حلقة أخرى لا تقل أهمية. فالباحث والاستشاري النفسي والاجتماعي محمد كمال يرى أن قلة النوم تمثل ضغطا مباشرا على الجهاز العصبي، وقد تؤدي إلى ضعف التركيز وزيادة العصبية، خاصة لدى الأشخاص الأكثر ميلا إلى الانفعال. ومع الإرهاق، يصبح الإنسان أقل قدرة على التحمل وأكثر استعدادا لتفسير المواقف اليومية بحدة.
وتنسجم هذه الرؤية مع دراسة مرجعية منشورة في قاعدة ببمد سنترال (PubMed Central) التابعة للمركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية بعنوان "دور النوم وآثار فقدانه على الأداء المعرفي والسلوك أثناء اليقظة"، إذ تشير إلى أن فقدان النوم يؤثر في الانتباه واليقظة والأداء المعرفي والسلوك خلال النهار. وفي الحياة الزوجية، قد تعني ليلة سيئة من النوم حوارا أكثر توترا، ورد فعل أسرع، وقدرة أقل على الاحتواء.
لكن الحل لا يكون بالنوم الطويل بلا حدود. فطبيب المسالك البولية الدكتور أنور النادر ينبه إلى أن الإفراط في النوم ليس مؤشرا صحيا دائما، وقد يكون مرتبطا بمشكلات نفسية أو صحية، من بينها الاكتئاب، الذي قد يظهر في صورة أرق أو نوم زائد. ويذهب محمد كمال إلى المعنى نفسه، إذ يرى أن النوم المفرط قد يزيد الشعور بالعزلة والوحدة وفقدان الأمل.
💬 التعليقات (0)