لساعات طويلة متواصلة، يقف الطفل يوسف خليفة أمام فرن مشتعل بالنار، يراقب الأرغفة وهي تنضج وسط حرارة خانقة ودخان كثيف. لم تدفعه إلى هذا العمل الشاق رغبة في كسب مصروفه أو مساعدة أسرته فحسب، بل حاجته الماسة إلى العلاج.
يوسف، الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، يعاني من مرض السكري، ويقضي أيامه في العمل داخل فرن بدائي ليوفر ثمن دوائه. وبينما يجلس الأطفال في مثل سنه على مقاعد الدراسة، يجلس هو أمام النار ساعات طويلة يخبز الأرغفة بحثاً عن بضعة شواكل تساعده على الاستمرار.
يقول يوسف: "أحياناً أحصل على 20 شيكلاً في اليوم، وأحياناً لا تصل إلى 20 شيكلاً. العمل متعب جداً، لكنني محتاج إلى المال لأوفر علاجي، فأنا مريض بالسكر."
لم يعد يوسف يذهب إلى المدرسة، إذ اضطر إلى تركها من أجل العمل. وبين حرارة الفرن ومشقة الوقوف الطويل، يحاول الطفل أن يوازن بين قسوة المرض ومتطلبات الحياة اليومية، في واقع أجبره على حمل مسؤوليات أكبر بكثير من عمره.
كثيرين من الأطفال في غزة دفعتهم الظروف القاسية إلى سوق العمل في سن مبكرة، حيث تحولت الطفولة إلى رحلة يومية للبحث عن لقمة العيش أو ثمن الدواء. أما يوسف، فما زال يحلم بأن يعود يوماً إلى مقاعد الدراسة، وأن يعيش طفولته بعيداً عن ألسنة النار التي باتت جزءاً من تفاصيل حياته اليومية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة واليونيسف إلى أن جميع الأطفال في سن الدراسة تقريباً في غزة تأثروا بانهيار العملية التعليمية، إذ حُرم نحو 637 ألف طفل من التعليم النظامي، فيما تعرضت غالبية المدارس لأضرار أو دمار واسع. كما يواجه الأطفال أزمة صحية وغذائية متفاقمة، حيث حذرت اليونيسف من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال، وسجلت آلاف الحالات التي احتاجت إلى العلاج من سوء التغذية الحاد خلال عام 2025.
💬 التعليقات (0)