بعد أكثر من قرن من الصراع، لم يعد الفلسطينيون والإسرائيليون مجرد خصمين يتواجهان على الأرض نفسها، بل أصبحوا شعبين عالقين في معضلة تاريخية وسياسية تبدو عصية على الحل. فكل طرف يحمل روايته الخاصة وآلامه ومخاوفه وتطلعاته الوطنية، لكن أياً منهما لم ينجح في الوصول إلى حالة مستقرة من الأمن أو العدالة أو السلام.
الفلسطينيون ما زالوا يواجهون أسئلة الدولة والسيادة والحقوق الوطنية، بينما يعيش الإسرائيليون في ظل قلق أمني وسياسي مستمر رغم ما تمتلكه دولتهم من تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي. وعلى الرغم من اختلاف أوضاع الطرفين واختلال ميزان القوة بينهما، فإن النتيجة النهائية تكشف مفارقة لافتة: لا يوجد طرف يشعر بأنه وصل إلى نهاية الصراع أو حقق استقراراً دائماً.
من أكثر الأفكار تضليلاً في هذا النزاع الاعتقاد بأن أحد الطرفين حسم المعركة نهائياً. فهناك من الإسرائيليين من ينظر إلى التفوق العسكري والاقتصادي والعلاقات الدولية الواسعة بوصفها دليلاً على انتصار تاريخي تحقق بالفعل، وأن الزمن يعمل لمصلحتهم. وفي المقابل، هناك من الفلسطينيين من ينظر إلى طول أمد الصراع واختلال موازين القوة بوصفه دليلاً على أن القضية الفلسطينية خسرت أو أن نهايتها أصبحت مسألة وقت. غير أن الواقع يكذب الفكرتين معاً.
فلو كان التفوق الإسرائيلي كافياً لحسم الصراع، لكان النزاع قد انتهى منذ عقود. ولو كانت القضية الفلسطينية قد هُزمت فعلاً، لما بقيت حاضرة بهذا الزخم في السياسة الإقليمية والدولية، ولما استمرت في التأثير في حسابات المنطقة والعالم. إن مجرد استمرار الصراع بعد كل هذه السنوات يشير إلى حقيقة مختلفة: لا يوجد انتصار كامل، ولا توجد هزيمة كاملة.
لقد أدى طول أمد النزاع إلى خلق واقع من الاعتماد المتبادل القسري. فمصير كل طرف أصبح مرتبطاً، بدرجة أو بأخرى، بقرارات الطرف الآخر. وكل محاولة لتجاهل هذه الحقيقة أو فرض حل أحادي الجانب لم تؤدِّ إلا إلى جولات جديدة من التوتر والعنف وعدم الاستقرار. ومع مرور الزمن، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين مشروعين متنافسين، بل تحول إلى مأزق تاريخي تتشابك فيه حياة الشعبين ومستقبلهما على نحو يصعب فصله.
ومن المفارقات اللافتة أن محاولات حسم الصراع بالقوة العسكرية لم تؤدِّ إلى إنهائه. فكلما سعت إسرائيل إلى فرض واقع نهائي عبر الحروب أو العمليات العسكرية الكبرى، بدت وكأنها تحقق إنجازات ميدانية مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها أمام أزمات سياسية وأمنية واستراتيجية أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل تلك المواجهات. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير القدرات المادية للخصم وإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، لكنها لم تستطع حتى الآن إنهاء الهوية الوطنية الفلسطينية أو إغلاق ملف القضية الفلسطينية.
💬 التعليقات (0)