في ظل التحديات الوجودية التي تمر بها فلسطين، بات من الضروري أن تعمل الحكومة الفلسطينية، ممثلةً بمجلس الوزراء، على إعادة هيكلة وتفعيل وتمكين العديد من الدوائر والمؤسسات ذات العلاقة، خاصة هيئة تشجيع الاستثمار بوصفها مؤسسة استراتيجية يمكن أن تضطلع بدور قيادي في تنسيق وتوحيد جهود الاستثمار والترويج الاقتصادي ضمن مقاربة وطنية جامعة، تنظر إلى الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، كرصيد اقتصادي ومعرفي وإنساني موحد، وتقوم على اعتبار الجغرافيا الفلسطينية وحدة اقتصادية مترابطة تمتد بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتتصل بعمقها الطبيعي مع فلسطينيي الداخل والشتات. وتكتسب هذه المقاربة أهمية متزايدة في ظل الحاجة إلى الانفتاح على الأسواق الإقليمية والدولية، وتفعيل الاتفاقيات التجارية غير المستغلة، وإعادة إعمار غزة وتنميتها، والانتقال من منطق إدارة الأزمات الى منطق بلورة مسار اقتصادي وطني طويل الأمد، لا بوصفه بديلاً عن الحقوق السياسية، بل رافعةً لها، بما يُحوّل البقاء على أرضنا من حالة صمود إلى مشروع حضاري وجودي. ورغم التحديات التي تواجهها المؤسسات الفلسطينية، وما يكتنف المرحلة الراهنة من حالة عدم يقين بشأن التطورات السياسية والمالية، فإن ما راكمته من خبرات وعلاقات وشبكات تعاون دولية يشكل قاعدة يمكن البناء عليها للمضي بهذا التوجه الاستراتيجي.
يشكّل إرساء شبكات تعاون تجارية ومؤسسية حول العالم أحد المسارات لتعزيز حضور الاقتصاد الفلسطيني في المنظومة الاقتصادية الإقليمية والدولية. فقد وقّعت فلسطين اتفاقيات تجارة حرة ثنائية ومتعددة الأطراف (1) التي توفر أطراً لتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية مع معظم الشركاء التجاريين حول العالم وتشكل عاملاً مهماً لجذب الاستثمار الأجنبي والمحلي. إضافة إلى العمل المستمر لرفد هذه الاتفاقيات باتفاقيات الاعتراف المتبادل للمواصفات والمقاييس (2)، كما شهدت السنوات الماضية إنشاء عدد من مجالس الأعمال المشتركة (3) وتوقيع العديد من اتفاقيات التعاون مع الغرف التجارية واتحاداتها حول العالم، وكان من أحدثها توقيع اتفاقية تعاون مع غرفة تجارة وصناعة عُمان (4)، وتوقيع مذكرة تفاهم بين مركز التجارة الفلسطيني (بال تريد) وغرفة الرياض للتجارة والصناعة، إضافة إلى التوافق على إنشاء مجلس أعمال سعودي– فلسطيني ومركز تجاري في السعودية (5). إلى جانب ذلك، جرى العمل على برامج لتأهيل كوادر متخصصة في ترويج الصادرات والاستثمار للعمل كملحقين تجاريين في السفارات والممثليات الفلسطينية في الأسواق المستهدفة (6). ومع ذلك، ظلّ أثر هذه الجهود دون المستوى المأمول لعدة أسباب، أهمها غياب مرجعية وطنية موحّدة تنسق بين المؤسسات المختلفة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مأسسة هذه المسارات ضمن إطار وطني متكامل ليحوّل هذه المبادرات المتفرقة إلى شبكة روابط اقتصادية استراتيجية مستدامة (Sustainable).
يمثل تطوير شراكات اقتصادية مع فلسطينيي الداخل مساراً واعداً على الرغم من التعقيدات السياسية والقانونية. إذ يمتلك فلسطينيو الداخل رؤوس أموال، وخبرات، وشبكات أعمال متقدمة، تؤهلهم ليكونوا شركاء استراتيجيين في تطوير مشاريع إنتاجية وتجارية وتكنولوجية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد شهد هذا النهج عددًا من المبادرات منذ عام 2008، والتي قادتها مؤسسات مثل مركز التجارة الفلسطيني (بال تريد)، وهيئة تشجيع الاستثمار، والغرف التجارية في المدن العربية (كالناصرة) (7)، وأحدث هذه التوجهات كان اللقاء الذي جرى بين وزارة الاقتصاد وغرفة تجارة وصناعة الوسط العربي وتشكيل لجنة مشتركة لتوطيد التعاون (8). ويُؤمَل أن تثمر هذه المحاولات في التحوّل إلى مرجعية مؤسسية مستدامة، مثل إنشاء “مجلس أعمال مشترك” يُعنى بتطوير وتنفيذ مشاريع تعاون ذات أثر قابل للقياس.
كما تبرز الحاجة إلى إيجاد منظومة وطنية للتفاعل مع الشتات الفلسطيني، تقوم على اعتباره رصيداً استراتيجياً من الكفاءات والخبرات والطاقات، وتعمل على تعبئة مساهماته وتعزيز ارتباطه بمسارات التنمية والاستثمار في فلسطين (9). وتؤكد تجارب دولية مثل ايرلندا ورواندا وتركيا و(إسرائيل) (10) دور الشتات كرافعة اقتصادية. وعلى الرغم من تعدد المبادرات الفلسطينية في هذا المجال، بدءاً بمؤتمرات الاستثمار (11) وتجربة بنك فلسطين في تشيلي (12)، كما شهد العقدان الماضيان عدداً من التجارب الناجحة في تطوير شبكات اقتصادية فلسطينية واستقطاب استثمارات عابرة للحدود بمشاركة رجال أعمال ومستثمرين ومؤسسات من الشتات الفلسطيني (13)، إلا أن أثرها التراكمي لم يرتق بعد إلى شبكة عالمية موحدة لرجال الأعمال الفلسطينيين، تضمن استدامة هذه النشاطات وتكاملها. وفي موازاة ذلك، يواجه القطاعان الإنتاجي والزراعي الفلسطيني تحديات تتعلق بالصورة الذهنية للمنتج الفلسطيني ومستوى الثقة في بيئة الأعمال، فما زالت بعض الأسواق تنظر الى المنتج الفلسطيني باعتباره امتداداً للمنتج الإسرائيلي أو قناة لتسويقه، الأمر الذي يستدعي صياغة رواية اقتصادية متماسكة تعزز الثقة، وتحتفي بقصص النجاح، وتدعم تنافسية منتجاتنا. ويتطلب ذلك، بالتوازي، ترسيخ منظومة قانونية ومؤسسية تقوم على مبادئ الحوكمة والشفافية والنزاهة، وتحمي المنافسة العادلة وتعزز الثقة في بيئة الأعمال، وفي مقدمة ذلك قانون المنافسة، بما يمهّد الطريق لترسيخ اقتصادٍ أكثر قدرة على النمو.
وفي ميدان تدويل رأس المال البشري الفلسطيني، هناك فرصة لفتح مسار يربط الكفاءات الفلسطينية بالأسواق العالمية عبر اتفاقيات عمل ثنائية، على غرار تجربة وزارة العمل مع دولة قطر (14). ويمكن لهيئة تشجيع الاستثمار أن ترعى هذا المسار، بالشراكة مع الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة، من خلال الترويج لفلسطين بوصفها مصدراً للكفاءات المتخصصة. ويعد القطاعان الصحي والتكنولوجي نقطتي انطلاق مثاليتين؛ نظراً لامتلاكنا كفاءات مؤهلة قابلة للاندماج في الأسواق الدولية التي تعاني من نقص حاد في هذه المجالات. ففي القطاع الصحي، لدينا فائض من الكوادر الطبية المتميزة (15)، مما يستدعي العمل على فتح آفاق للتوظيف والتعاون مع مراكز صحية عالمية. أما القطاع التكنولوجي، فيمتلك طاقات رائدة في تطوير الأنظمة الرقمية (16)، بما يؤهله للانخراط على مستوى الأفراد والشركات في شراكات مع شركات عالمية رائدة، وعدم حصر فرص العمل في السوق الإسرائيلية منخفضة الأجور وحدها. وينبغي النظر إلى هذا المسار بوصفه دورة تنموية للتشبيك المهني وتصدير المعرفة والخبرات الفلسطينية، لا باعتباره مجرد هجرة للعقول، ولكن لفترة مرحلية حتى نكون قادرين على التحكم بالمعابر والحدود وبناء قطاع صحي وتكنولوجي يقدم خدمات تصديرية بكفاءة عالية.
وفي مرحلة التحول نحو اقتصاد المعرفة، يُعد الاستثمار في التقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والهندسة المتقدمة (17)، مدخلاً جديداً لبناء اقتصاد أكثر جاهزية للاندماج في الاقتصاد العالمي. وينسجم ذلك مع التوجهات الحكومية الجديدة التي ظهرت بوضوح في كلمة رئيس الوزراء خلال أسبوع فلسطين للذكاء الاصطناعي 2026، من خلال التأكيد على أهمية الاستثمار في المهارات الرقمية، وتطوير البنية التكنولوجية. وفي هذا الإطار، ينبغي لهيئة تشجيع الاستثمار، بالتناغم مع الجهات المعنية، الإسهام في توجيه السياسات الاستثمارية نحو القطاعات المعرفية والصناعات عالية القيمة، مثل الصناعات الغذائية المتطورة، والمكونات الدوائية، والمواد الحيوية المعتمدة على التكنولوجيا الحيوية (18)، من خلال تهيئة بيئة استثمارية وتشريعية داعمة للابتكار، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع النوعي. ففي سباق الأمم نحو المستقبل، لا يكفي أن نملك البوصلة إذا بقينا بلا غرفة قيادة.
💬 التعليقات (0)