شكل قرار إلغاء الخلافة العثمانية في مارس من عام 1924 نقطة تحول جذرية في التاريخ الإسلامي المعاصر، حيث انتهت مؤسسة سياسية ورمزية استمرت لأكثر من ثلاثة عشر قرناً. هذا الانهيار أدى إلى تفكك الرابطة المؤسسية التي كانت تجمع جغرافيا واسعة، ليحل محلها نظام الدول الوطنية الذي رسمت حدوده القوى الاستعمارية الغربية وفرضت عليه سيادتها.
في ظل هذا الفراغ المعنوي والسياسي الكبير، برزت تساؤلات جوهرية حول الهوية والبديل القادر على لم شتات الأمة المبعثرة. ومع تعدد المشاريع المطروحة من قومية واشتراكية وليبرالية، قدمت جماعة الإخوان المسلمين نفسها منذ تأسيسها عام 1928 كأكثر المشاريع التصاقاً بالفكرة الإسلامية الجامعة الساعية لترميم ما هدمه سقوط السلطنة.
اعتمدت الجماعة في رؤيتها التأسيسية على استراتيجية 'شمولية الفكرة'، حيث اعتبر حسن البنا أن الإسلام نظام متكامل لا ينفصل فيه الدين عن السياسة أو الاقتصاد. كان هذا الطرح رداً مباشراً على النماذج العلمانية الصاعدة التي حاولت حصر الدين في النطاق الفردي والشعائري، مما جعل الجماعة قبلة لشرائح اجتماعية رأت في الدولة الوطنية كياناً مصطنعاً.
لم تكتفِ الجماعة بالتنظير الفكري، بل سعت إلى 'عولمة التنظيم' عبر بناء كيانات عابرة للحدود في بلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا والجزيرة العربية. ورغم أن هذه الفروع استلهمت فكر المركز في مصر، إلا أنها طورت أدواتها الخاصة بناءً على السياقات السياسية المحلية، فتباينت تجاربها بين المشاركة البرلمانية والمواجهة الصدامية.
في الأردن، انخرطت الجماعة في اللعبة السياسية تحت سقف النظام الملكي، بينما واجهت في سوريا موجات قمع دموية بلغت ذروتها في أحداث حماة عام 1982. وفي المقابل، قدمت حركة النهضة في تونس نموذجاً مختلفاً قام على المصالحة مع مفهوم الدولة وقبول التداول السلمي على السلطة، مما يعكس مرونة التنظيم وتعدده.
بنت الجماعة قوتها الجماهيرية من خلال إنشاء 'شبكات أمان اجتماعي' موازية لمؤسسات الدولة، شملت المستوصفات والمدارس والجمعيات الخيرية. هذه البنية التحتية الاجتماعية مكنتها من الوصول إلى الفئات المهمشة التي عجزت الدولة الوطنية الناشئة عن تلبية احتياجاتها، مما خلق ولاءات شعبية عميقة وراسخة.
💬 التعليقات (0)