تطرح الحالة المصرية تساؤلات عميقة حول استعصاء التغيير الجذري رغم الهبات الشعبية الكبرى، حيث يبرز خطأ 'افتراض البساطة' في التعامل مع قضايا وطنية معقدة. إن المشهد الذي تلا تنحي مبارك في فبراير 2011 خيّل للكثيرين أن الموقف قد تحول بالكامل، بينما كانت الجذور تضرب عميقاً في بنية الدولة.
إن العقل الثوري الذي اعتقد أن 18 يوماً كافية لتغيير مسار بدأه العسكريون منذ عام 1952، قد أغفل تراكمات تاريخية بدأت منذ عهد محمد علي باشا في 1805. تلك الحقبة شهدت محاولات ممنهجة لتحجيم الروح الشعبية التي قاومت الحملات الفرنسية والإنجليزية في بدايات القرن التاسع عشر.
لا يمكن إغفال التضحيات الجسيمة التي قُدمت، حيث ارتقى أكثر من ألف شهيد خلال ثورة يناير، فضلاً عن ملايين المصريين الذين عانوا من سياسات التهميش وتدهور الخدمات الصحية في عهد مبارك. ومع ذلك، ظل بقاء هيكل الدولة القديم هو الأولوية لدى البطانة الحاكمة والمؤسسات السيادية.
برزت خلال المرحلة الانتقالية تصريحات كشفت عن حجم التدخلات الخارجية، لعل أبرزها ما قاله الأكاديمي مصطفى الفقي حول ضرورة حصول حاكم مصر على موافقة واشنطن وتل أبيب. هذا الواقع عززته تقارير صحفية رسمية أكدت رفض القوى الدولية لوصول تيار إسلامي إلى سدة الحكم في بلد يطل على المتوسط.
التحول من نقيض إلى نقيض في السياسة المصرية يعد أمراً بالغ الصعوبة، خاصة مع امتداد حكم مبارك لثلاثة عقود ورغبته في توريث السلطة. وقد كشفت مصادر عسكرية لاحقاً أن المخابرات الحربية كانت تتوقع حراكاً شعبياً، لكنها سعت لتوجيهه للإطاحة بمبارك الأب ومنع مشروع التوريث فقط.
تتحمل المعارضة السلمية جزءاً من المسؤولية، إذ لم تنجح على مدار عقود في إعداد بدائل سياسية حقيقية قادرة على ملء الفراغ بعد سقوط النظام. هذا الغياب للبديل الجاهز جعل من الصعب إدارة الدولة في مرحلة ما بعد 2011، وأدى إلى تخبط في اتخاذ القرارات المصيرية.
💬 التعليقات (0)