لم يكن يخطر ببال مراسل الجزيرة نت في دارفور، محمد زكريا خميس، وهو يخطو خطواته الأولى في عالم الصحافة، أنه سيجلس ذات ليلة في زاوية موحشة من منزله، الذي لم يبق منه إلا الركام في حي "أولاد الريف" أحد أحياء وسط مدينة الفاشر، يشعل النار في بطاقته الصحفية التي طالما كانت قرة عينه، ويحرق بيديه كل ما يؤكد هويته كصحفي.
كان يراقب النيران وهي تلتهم حلم العمر قطعةً قطعة، واللهب يلمع على جدران المنزل الذي شهد أحلى أيامه، وهو يوقن أن هذه البطاقة التي كانت درعه ووسامه صارت اليوم حكما بإعدامه.
خرج زكريا من بين الركام حاملا جراح ابنه على كتفيه وندوب روحه في صدره، تاركا خلفه ذكريات عمره في حي "أولاد الريف" الذي تحوّل إلى ساحة حرب عندما اجتاحت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور غربي السودان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ولم يأخذ معه سوى الخوف والحسرة، وأحرق بطاقته التي حلم بها سنوات، لأنه أدرك أن البقاء على قيد الحياة أصبح أغلى من أي حلم.
ويقول زكريا للجزيرة نت بصوت تخنقه الذكريات: "كبرت وأنا أحلم بيوم أحمل فيه بطاقة صحفية.. تخيلت أنها ستكون درعي ووسامي".
لكن الحرب في دارفور علمتني درسا قاسيا لم أتوقعه: "البطاقة التي تمنحك الحق في رواية القصص قد تكلفك حياتك وحياة من تحب".
💬 التعليقات (0)