تصارع مدينة حلب السورية للحفاظ على واحدة من أعرق مهنها التقليدية، حيث يبذل عدد محدود من الحرفيين جهوداً مضنية لحماية صناعة وترميم السجاد اليدوي من الاندثار. وتأتي هذه المحاولات في ظل تراجع حاد في أعداد العاملين بهذا القطاع، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وموجات الهجرة، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي أدت إلى عزوف الأجيال الشابة عن ممارسة هذه الحرفة الشاقة.
وتعتبر عملية ترميم السجاد اليدوي فنًا دقيقًا يتطلب مهارات استثنائية وخبرة تراكمية تمتد لعقود، إذ لا يقتصر العمل على رتق الثقوب فحسب، بل يمتد لمعالجة الأضرار المعقدة الناتجة عن الرطوبة أو العتة. ويؤكد المختصون أن إعادة إحياء الزخارف والأطراف التالفة تتطلب دقة متناهية لضمان تطابق الخيوط والألوان مع النسخة الأصلية للسجادة، وهو ما جعل لورش حلب سمعة عالمية تجاوزت الحدود.
ورغم الظروف القاسية، لا تزال الورش الحلبية وجهة مفضلة لأصحاب السجاد الثمين من مختلف المحافظات السورية ومن دول عربية وأوروبية، بفضل الثقة التاريخية في مهارة اليد السورية. ويشير عاملون في هذا المجال إلى أن عدد الخبراء المتبقين انخفض إلى مستويات مقلقة، بعد أن كانت هذه المهنة تشكل عصبًا اقتصاديًا وثقافيًا يستقطب العشرات من العمال المهرة في أسواق المدينة القديمة.
وفي خطوة تهدف لضمان استمرارية هذا الموروث، بدأ بعض الحرفيين في نقل أسرار المهنة إلى أبنائهم وأفراد عائلاتهم لضمان عدم ضياع الخبرات المتراكمة. كما لُحظ في الآونة الأخيرة دخول لافت للعنصر النسائي، حيث بدأت شابات سوريات بتعلم تقنيات الترميم الدقيق، في محاولة لضخ دماء جديدة في عروق هذه الحرفة التي تمثل جزءًا أصيلاً من الهوية السورية.
ويعلق أصحاب الورش آمالاً كبيرة على مراحل التعافي وإعادة الإعمار لتنشيط هذه الصناعة التراثية من جديد، مطالبين بضرورة توفير دعم حكومي ومؤسساتي للحرف التقليدية. ويرى هؤلاء أن تشجيع الشباب على الانخراط في المهن اليدوية هو السبيل الوحيد لضمان بقاء السجاد الحلبي شاهداً على تاريخ المدينة، وحمايته من التحول إلى مجرد معروضات صامتة في المتاحف.
💬 التعليقات (0)