في ظل ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي من توترات متزايدة، تبرز أصوات تحاول تذكير الشعوب بالروابط العميقة التي تتجاوز الأحداث العابرة. إن ما يُنشر عن مواقف عنصرية أو إساءات يتعرض لها بعض السودانيين في مصر يستوجب وقفة شجاعة للمواجهة لا للإنكار، فالعنصرية تظل قبيحة مهما كان مصدرها أو مبررها.
إن الخطورة تكمن في تحول أخطاء الأفراد إلى صورة ذهنية نمطية تعمم على شعب بأكمله، مما يؤدي إلى نسيان الفضل عند أول بادرة خلاف. التاريخ المشترك بين مصر والسودان مليء بالمواقف الإنسانية التي لا يجوز أن تُمحى من الذاكرة الجمعية تحت ضغط اللحظة الراهنة أو الأزمات الاقتصادية.
الحديث عن السودان ليس مجرد تنظير من الكتب، بل هو شهادة حية لمن عاشوا في كنف هذا الشعب وأكلوا من طعامه في أوقات المحن. لقد كان السودان الوجهة الأولى لآلاف المصريين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بعد عام 2013 بحثاً عن الأمان والسكينة بعيداً عن الملاحقات السياسية والتضييق.
في تلك اللحظات الحرجة، لم يكن السودان مجرد جار جغرافي، بل كان الملاذ الذي فتح أبوابه حين أوصدت دول كثيرة حدودها في وجوه الفارين. لقد وجد المعارضون المصريون في الخرطوم وبورتسودان وغيرها من المدن بيوتاً آمنة استقبلتهم دون قيد أو شرط، مقدمةً نموذجاً فريداً في الأخوة العربية.
تتجلى عظمة الشخصية السودانية في تقاليدها الراسخة، مثل موائد الإفطار الجماعي في رمضان التي تجمع الغريب والقريب على مائدة واحدة. هذه المشاهد التي يراها الزائر في شوارع السودان ليست مجرد طقوس دينية، بل هي تعبير أصيل عن ثقافة التراحم والتكافل التي تميز هذا الشعب المعطاء.
الكرم السوداني ليس مجرد صفة عابرة، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية التي ترفض الضيم وتكرم الضيف مهما ضاقت الظروف. وقد لمس المصريون المقيمون هناك كيف يتسابق السودانيون لرد المعروف بأفضل منه، وكيف يتعاملون مع الإنسان لقيمته الذاتية قبل جنسيته أو انتماءاته.
💬 التعليقات (0)