جريمة استهداف عناصر الشرطة المدنية في قطاع غزة ليست مجرد خرق عسكري تكتيكي ولا فقرة عابرة في سجل الاشتباك الدامي بل هي نقض جوهري لفكرة الدولة نفسها وصولا إلى تصفية المعنى الأخير للحداثة إنها باختصار مذبحة ما بعد القانون في مدينة ما بعد الإنسان حين تسقط القذائف الموجهة بدقة الماسح الضوئي على نقطة تفتيش مرورية أو على غرفة عمليات تحوي ضابط شرطة ينسق وصول شاحنة مساعدات غذائية أو على رجل أمن بلباسه الأزرق المميز وهو يفك تشابكا مروريا في شارع النص في خانيونس فإن الفعل يتجاوز منطق الاشتباك العسكري إلى أفق الفلسفة السياسية العدمية إنه جريمة من جنس خاص تستهدف إعدام فكرة العقد الاجتماعي في مهدها.
تقوم العقيدة العسكرية التقليدية على مبدأ التمييز الذي يفرق بين المقاتل والمدني وبين الهدف العسكري المشروع والبنية التحتية المدنية وفي حالة شرطة غزة نحن أمام جسم قانوني هجين لا يحمل السلاح الهجومي الثقيل ولا يشارك في الاشتباك المباشر بل هو صمّام الأمان الوحيد لمنع تحول الحالة الإنسانية في غزة إلى غابة كونية مفترسة إن استهداف هذا الجسم الشرطي تحديدا يمثل قصفا جراحيا لإمكانية الحياة نفسها إنه اغتيال ميداني لمفهوم الأمن المجتمعي وفتح لباب الهاوية أمام السلب والفوضى الجارفة.
في السياق تُختزل الجريمة عبر تقنية قلب الدلالة إلى حادث عرضي أو إلى ضرورة عملياتية تحت سقف الاشتباه المسبق هنا تتحول الشرطة المدنية في السردية الإسرائيلية المهيمنة إلى ذراع سري للمقاومة ليس بناء على مسلك ميداني ملموس بل بناء على قراءة اسرائيلية مسبقة الصنع هذه الآلية الدعائية الكاذبة تسعى إلى خلق منطقة رمادية قانونية يتم فيها تعليق مفعول اتفاقيات جنيف الأربع ويتم إعدام الحصانة المدنية على مذبح الشك المطلق إنها جريمة وعي قبل أن تكون جريمة سلاح.
من الناحية القانونية الدولية فإن اتفاقية جنيف الرابعة تنص على حماية أفراد الشرطة المدنية باعتبارهم مدنيين غير منخرطين في الأعمال العدائية ما لم يشاركوا مباشرة في القتال وقت استهدافهم وهنا تكمن المفارقة المروعة ففي لحظة انهيار المؤسسات تصبح الشرطة هي التجسيد الأرضي للقانون الدولي الإنساني هي التي تحمي المستشفيات من النهب وهي التي تؤمن مخازن الأغذية وهي التي تمنع تحول النازحين إلى قطعان مشردة يقتل بعضها بعضا ضرب هذه الوظيفة بالطيران الحربي ليس خرقا تكتيكيا بل هو إعلان حرب على القانون الدولي الإنساني بوصفه كيانا سياسيا معاديا.
أما المعضلة الأعمق فتتجلى في دلالة الاسم شرطي في أرض بلا دولة معترف بسيادتها في الفكر الغربي الحديث الشرطة هي ذراع الإكراه المشروع للحفاظ على احتكار العنف لصالح المركز السياسي أما في غزة فالشرطي يتحول إلى رمز إنساني وجودي يمارس وظيفة التنظيم دون أن يملك ظهيرا سياديا يحميه من الإبادة إنه يموت لا بصفته مقاتلا بل بصفته عاملا في مؤسسة شرطية تنظيمية محاصرة ومحاربة اسرائيلاً في فخ الجغرافيا السياسية إنها جريمة تتجاوز اللحم والعظم لتسحق فكرة النظام ذاته.
ما يحدث ليس معركة تحرير أو دفاع عن أمن إقليمي بالمعنى الكلاسيكي بل هو حالة متطرفة من العنف الاجرامي الإسرائيلي إنه تدمير منهجي لكل ما يمكن أن يقوم مقام العمود الفقري للمجتمع إن استهداف عناصر المرور والسجانين وضباط الأمن المجتمعي يندرج ضمن عقيدة الأمننة المفرطة التي ترى في أي مظهر من مظاهر النظام عدوا جوهرياً لا يمكن التعايش معه في غرفة عمليات الوعي الغربي تتحول الشرطة الفلسطينية إلى كابوس لمشاريع الاحتلال الذي يرى ضرورة سحق الأمن الاجتماعي في غزة قبل أن يلد فكرة السيادة.
💬 التعليقات (0)