في عمرٍ يفترض أن تنشغل فيه بمحاولاتها الأولى للمشي والكلام واللعب، تخوض الطفلة ريتاج رائد هنية معركة مختلفة تمامًا؛ معركة من أجل البقاء. لم تتجاوز ريتاج العام ونصف العام من عمرها، لكنها تحمل على جسدها الصغير آثار أشهر طويلة من الحرمان والجوع ونقص الرعاية الصحية. ملامحها الهزيلة وعيناها الغائرتان وعظامها البارزة تحكي قصة طفل لم يعرف من طفولته سوى الألم، في وقت يفترض أن يكون فيه محاطًا بالغذاء والدفء والأمان. تقبع الطفلة في أحد مستشفيات قطاع غزة، بينما يتابع الأطباء حالتها بقلق بالغ. فقد أدى سوء التغذية الحاد إلى انخفاض وزنها بشكل خطير حتى أنه لا يتجاوز الأربعة كيلو جرام، لتتحول إلى واحدة من عشرات الأطفال الذين أصبحوا يواجهون خطر الموت بسبب نقص الغذاء والحليب العلاجي والأدوية الأساسية. لا تحتاج ريتاج إلى الكثير من الكلمات لتروي قصتها؛ فجسدها المنهك يتحدث نيابة عنها. يدان نحيلتان بالكاد تستطيعان الحركة، ووجه صغير فقد امتلاءه الطبيعي، وعينان تبدوان وكأنهما تسألان العالم كله: لماذا يحدث هذا لطفلة لم تعرف من الحياة سوى عامها الأول؟ عائلة ريتاج، كغيرها من آلاف العائلات الفلسطينية، وجدت نفسها عاجزة أمام واقع قاسٍ يتفاقم يومًا بعد يوم. فالحصول على الغذاء المناسب للأطفال أصبح مهمة شاقة، فيما تعاني المستشفيات من نقص حاد في المستلزمات الطبية والمكملات الغذائية الضرورية لعلاج حالات سوء التغذية. وتقول مؤسسات إنسانية إن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة في مواجهة الأزمة الغذائية المتفاقمة داخل القطاع، حيث يهدد الجوع والنقص الحاد في الإمدادات الصحية حياة آلاف الصغار الذين يحتاجون إلى رعاية عاجلة. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة واليونيسف، يُتوقع أن يحتاج نحو 71 ألف طفل دون سن الخامسة إلى علاج عاجل من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 14 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أخطر أشكال سوء التغذية وأكثرها تهديدًا للحياة. كما أُدخل آلاف الأطفال إلى برامج علاج سوء التغذية خلال الأشهر الأخيرة، في ظل استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء.
أما ريتاج، فلا تعرف شيئًا عن الأرقام والإحصاءات والتقارير الدولية. كل ما تعرفه أنها طفلة صغيرة تحاول أن تتمسك بالحياة. وبين أجهزة المستشفى وقلق ذويها ودعوات المتضامنين معها، تبقى قصتها شاهدًا مؤلمًا على ثمن يدفعه الأطفال يوميًا في غزة. وفي الوقت الذي تنتظر فيه ريتاج فرصة للعلاج والتعافي، يظل السؤال معلقًا: كم طفلًا آخر يجب أن يذبل جسده من الجوع قبل أن يصبح حقه في الغذاء والحياة أولوية لا تحتمل التأجيل؟
💬 التعليقات (0)