ما قدمه الفنان السوري حسني البورازان في مشهد تلفزيوني يوما ما من مقولة مشهورة "إذا أردنا أن نعرف ماذا يحدث في إيطاليا علينا أن نعلم ما يحدث في البرازيل" تذكرت أن هناك بعضا من المجتمع يمتلك موهبة نادرة في اكتشاف المشكلة الخطأ في الوقت الخطأ، فإذا أخطأ شخص في سلوك ما، وانشغل الناس جميعا بكلمة قاسية وردت في رسالة توعية أو أكد أهميتها أحد المعنيين عندهم، تصبح الكلمة هي الجريمة الكبرى، أما الفعل الذي استدعى كل هذا الجدل فيتحول إلى تفصيل صغير لا يستحق الذكر.
تجد في بيئتهم أحدهم يغش، أو يكذب، أو يسيء استخدام منصبه، فتقوم الدنيا هناك لأن شخصا وصفه بصفة غير لائقة، وفجأة يصبح السؤال: لماذا كانت العبارة قاسية؟ ولا أحد يسأل: ولماذا كان الفعل قبيحا أصلا؟
حتى إنهم هناك يفعلون الشيء نفسه مع تراثهم، يثورون غضبا على لوحة إعلانية أو مشهد تلفزيوني بحجة أنه يمس التراث والعادات والتقاليد، فتكتب المقالات، وتعقد الندوات، وتستنفر حالة الرفض الثقافي، لكنهم هناك نسوا أن التراث لم تقتله لوحة إعلانية، بل قتلوه حين استبدلوا مجالسهم بالشاشات، وجيرانهم بالتطبيقات، وحكايات جداتهم بمقاطع لا تتجاوز عشر ثوان اسمها "ريلز".
رأيتهم يغضبون لأن إعلانا شوه صورة الماضي، بينما الماضي نفسه يقف على الرصيف ينتظر من يتذكره.
وفي التعليم أيضا، انشغلوا هناك بشكل الشهادة أكثر من مضمونها، أعجبهم الإطار الذهبي الذي يحيط بالوثيقة، ونسوا أن صاحبها قد لا يقرأ كتابا بعد تخرجه بيوم واحد، المهم أن الصورة جميلة، وأن قبعة التخرج ألقيت في الهواء، أما المعرفة فقد بقيت جالسة في القاعة تنتظر من يحملها معه.
وفي الإعلام، لا يسألون إن كانت المعلومة صحيحة، بل من قالها، فإن أحبوه صدقوه قبل أن ينطق، وإن اختلفوا معه كذبوه قبل أن يكمل الجملة. وهكذا تحولت الحقائق عندهم إلى مشجعين في مدرجات متقابلة، كل فريق يصفق لما يناسبه ويطلق الصافرات على ما لا يعجبه.
💬 التعليقات (0)