ما زالت مدينة القدس تتصدر الأحداث في استهداف اراضيها وأحيائها ومواقعها الأثرية والتاريخية والدينية . ففي الخامس والعشرين من أيار الماضي أصدرت الإدارة المدنية الإسرائيلية ، أمرًا بمصادرة منطقة تبلغ مساحتها نحو 110 دونمًا، في النبي صالح في محافظة القدس تشمل المسجد، والموقع الأثري المحيط به، وعين ماء عند سفحه، والأراضي الزراعية، والطرق المؤدية إلى الموقع وذك لما يسمى بالأغراض العامة . وحمل أمر المصادرة المذكور الرقم (H/02/26)، في إجراء هو الثاني من نوعه ، الذي تصادر الإدارة المدنية موقعًا تابعًا للأوقاف الإسلامية في الضفة الغربية المحتلة. تجدر الإشارة هنا إلى أنه في أيلول من العام 2025، وقّع رئيس الإدارة المدنية أمرًا بنزع ملكية الأرض الواقعة في وسط الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل ، في أول نزع ملكية لأرض تتبع الاوقاف الاسلامية . الآن جاء الدور على مقدسات اسلامية في النبي صالح على بُعد كيلومتر واحد تقريبًا من حي راموت الإسرائيلي ، حيث كانت قرية لفتا المهجرة ، والتي هدمها الجيش الإسرائيلي عام 1971، وأجبر سكانها على الانتقال مئات الأمتار شرقًا . وفي عام 1995 أُعلنت المنطقة حديقة وطنية، وأُجريت فيها حفريات أثرية. التقاليد اليهودية والإسلامية والمسيحية تشير أن الموقع هو مدفن النبي صموئيل ، ويستخدم منذ ثمانينيات القرن الماضي، كمكان عبادة للمسلمين واليهود على حد سواء، حيث يصلي كل منهم في قسم منفصل من المكان ، الذي لا يزال تحت إدارة الأوقاف الإسلامية .
حركة " السلام الآن " الاسرائيلية علقت على أمر المصادرة المذكور بالقول : "مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام قرارات الإدارة المدنية، بقيادة الوزير سموتريتش، والتي تهدف إلى توسيع نطاق الضم وتعميقه. فبعد خطط توسيع المستوطنات وإعلانات غير مسبوقة عن "أراضي الدولة"، انتقلت الإدارة المدنية إلى السيطرة على المواقع التراثية، وهي الآن بصدد الاستيلاء على المواقع الدينية، ما يخلق توترًا في بعض أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية. ويبدو أن كل يوم يمر يزيد من الخطر ويهيئ الظروف لتحويل صراع سياسي إلى حرب دينية."
وضمن السياسة التي تستهدف القدس ، رفضت محكمة الاحتلال الاسبوع الماضي الالتماس الذي قدمته "عير عميم" الحقوقية الإسرائيلية بالتعاون مع مواطنين من بلدتي الطور والعيساوية، ضد مخطط "الحديقة" الاستيطاني المزمع إقامتها على مساحات واسعة من الأراضي شمال شرقي القدس المحتلة. ويستهدف المخطط أراضي في البلدتين ضمن مشروع ربط مدينة القدس بمستوطنة "معاليه أدوميم" ومنطقة ( E1 ) ، في خطوة من شأنها تقييد التوسع العمراني الطبيعي للطور والعيساوية، عبر تصنيف الأراضي كـحديقة عامة، ما يعيق إقامة مساكن ومدارس وبنى تحتية وخدمات أساسية للسكان. وبموجب قرار المحكمة ، ستمضي سلطات الاحتلال في إجراءات تنفيذ المخطط، الذي يُنظر إليه كجزء من مشاريع تهدف إلى تعزيز الربط الاستيطاني بين القدس والمستوطنات المحيطة وفرض وقائع جديدة على الأرض . ويخصص المخطط حوالي 79 دونمًا للاستخدام السكني ، بكثافة تصل إلى 12 وحدة سكنية لكل دونم (أي ما يصل إلى حوالي 950 وحدة سكنية إجمالًا، في مبانٍ متعددة الطوابق لا تتناسب مع نمط حياة المجتمعات البدوية ؛ على منحدر شديد الانحدار يجعل البناء بالغ الصعوبة؛ ومن المرجح عمليا ألا ينفذ سوى جزء من الوحدات السكنية المخطط لها على بعد أقل من 100 متر من مكب أبو ديس، حيث دفنت ملايين الأطنان من نفايات القدس على مدى عقود. ويعد نشر المخطط للعرض إحدى المراحل المتقدمة في عملية الموافقة على التخطيط . وبمجرد الموافقة على تصدر تراخيص البناء ويبدأ العمل . ويعد طرح الخطة في هذا التوقيت جزءًا من استعدادات الحكومة لإغلاق المنطقة أمام الفلسطينيين، ما سيؤدي إلى تهجير التجمعات الفلسطينية من المنطقة .
وإلى جانب ذلك تخطط سلطات الاحتلال لتهجير المجتمعات البدوية الفلسطينية من منطقة ( E1 ) . نشير هنا أن هذه السلطات كانت قد نشرت قبل شهرين الخطة رقم ( 1627/7 ) لتوسيع حي الجبل في أبو ديس، الذي اقيم في تسعينيات القرن الماضي لسكان الجهالين البدو ، الذين هجروا قسرا من إسرائيل لتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم . وكانت المحكمة العليا الاسرائيلية قد قررت آنذاك بأنه لا يجوز للحكومة تهجير أي مجتمع دون توفير سكن بديل لسكانه ، الأمر الذي املى على حكومة الاحتلال تخصيص مساحةً تقدر بعشرات الدونمات على أطراف أبو ديس، بالقرب من مكب النفايات في المنطقة . وتشكل الخطة الجديدة عنصرا هامًا في خطتها الأوسع نطاقًا للسيطرة على المنطقة الواقعة شرق القدس. فخلال العام الماضي، وافقت الحكومة على خطة البناء في منطقة E1، وطرحت مناقصات لتنفيذها، وأعلنت عزمها البدء قريبًا في رصف طريق من شأنه أن يتيح إغلاق مساحة واسعة من الاراضي تقدر بنحو 3% من الضفة الغربية - أمام الفلسطينيين.
يأتي ذلك في سياق سياسة تطهير عرقي تمارسحا حكومة الاحتلال ، حيث كان وزير المالية ووزير الاستيطان في وزارة جيش الاحتلال ، بتسلئيل سموتريتش ، قد أصدر قراراً في التاسع عشر من أيار يقضي باقتلاع 26 تجمعاً بدوياً يقطنها نحو 4856 فلسطينياً. ويشمل القرار نقل هؤلاء السكان ، بمن فيهم سكان الخان الأحمر قسراً إلى مناطق محددة في العيزرية أو النويعمة قرب أريحا، في حملة تطهير عرقي تستهدف السيطرة الكاملة على بادية القدس الشرقية وتوسيع النفوذ الاستيطاني. وكان المستوطنون قد شرعوا مطلع العام الجاري في إقامة بؤرة استيطانية جديدة بالقرب من تجمع الخان الأحمر البدوي، أضيفت إلى أكثر من 21 بؤرة مقامة في محافظة القدس، تتركّز غالبيتها في المنطقة الممتدة من بلدة مِخماس شمالا وحتى بلدة العيزرية شرقا. ويأتي انتشار هذه البؤر الاستيطانية ضمن مخطط يستهدف شمال وشرق المحافظة، ويهدف إلى السيطرة على المزيد من الأراضي، وفرض وقائع استيطانية في سياق تضييق الخناق على التجمعات البدوية،
وفي النشاطات الاستيطانية ، تم الكشف عن بدء سلطات الاحتلال والمجالس الاستيطانية استعدادات واسعة النطاق لتطوير البنية التحتية وتوفير خطوط مواصلات مؤمنة بمركبات مصفحة، تمهيداً لإقامة وتوسيع 18 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة وخاصة في محافظة جنين . ووفقاً لوسائل اعلام اسرائيلية ، فقد عقدت ما تسمى "شركة تطوير السامرة" الاستيطانية مؤتمرها السنوي في بؤرة "صانور" المخلاة سابقاً في محافظة جنين ، بمشاركة أكثر من 150 سائقاً للمركبات والحافلات المضادة للرصاص. وفي هذا المجال أعلن رئيس مجلس المستوطنات في شمال الضفة، يوسي داغان، بالتعاون مع إدارة الشركة، أن خدمات النقل الموسعة للمستوطنين ستبدأ العام المقبل لتشمل المستوطنات الجديدة المزمع إنشاؤها، إلى جانب البؤر القائمة حالياً مثل "حومش" و"صانور". وتأتي هذه الخطوات تحضيراً لتنفيذ مخطط استيطاني أعلن عنه داغان سابقاً، يقضي بإعادة بناء 4 مستوطنات أُخليت عام 2005 ضمن خطة الانفصال الإسرائيلية، بالإضافة إلى بناء 14 بؤرة ومستوطنة جديدة في المنطقة، وسط حملة واسعة يقودها مجلس المستوطنات لجلب مئات العائلات وتوطينها هناك. وزعم داغان خلال المؤتمر أن إعادة الاستيطان في هذه المناطق تمثل "عدالة تاريخية"، مدعياً أن المخطط يجري تنفيذه بالتنسيق الكامل مع جيش الاحتلال والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية وبشكل رسمي. ومن جهتها، أكدت إدارة الشركة الاستيطانية أنها بدأت فعلا بشراء أسطول جديد من الحافلات والمركبات المصفحة والمضادة للرصاص، وتجنيد سائقين جدد، بالتوازي مع العمل على تأهيل الطرق ومحاور الحركة
💬 التعليقات (0)