بين الخامس من حزيران 1967، والخامس من حزيران 2026، مرّت تسعٌ وخمسون سنة، أي أن الذي ولد مع الهزيمة التي تواطأ المسؤولون عنها مع اللغة، ليسمونها نكسة، أصبح الآن كهلاً، أمّا الأجيال التي تعاقبت منذ تلك الأيام السوداء، وتفتحت عيونها على سلسلة حزيراناتٍ فلم يعد في ذاكرتها مكانٌ لهزيمة حزيران الأول.
الجيل الذي عاش ذلك الحزيران، شهد أفدح عملية تزوير لم تتوقف عند تسمية الهزيمة بالنكسة، ولا عند تسميتها بحرب الأيام الستة، فهي لم تكن كذلك أبداً، كانت هزيمةً مكتملة المواصفات، أمّا الأيام الستة التي سُمّيت بها، فلم تكن حقيقية، إذ تبين أنها كانت حرباً جرى حسمها على الأرض في ساعاتٍ قليلة.
خسارة الفلسطينيين فيها كانت الأفدح، إذ وقعت جغرافيتها كلها وديموغرافيتها تحت احتلالٍ بدأ عسكرياً ومنذ أيامه الأولى صار استيطانياً وإلحاقياً.
وجد الفلسطينيون أنفسهم يواجهون عدواً شرساً بلحمهم الحي، إذ سجّل حزيران الأول سقوط أحد أهم عواصم التاريخ بقيامتها وأقصاها وصخرتها، وسقوط ما تبقى من فلسطين التاريخية الضفة الغربية وقطاع غزة.
تجاهلت الطليعة الفلسطينية التي أنتجت المقاومة، ذلك المصطلح الذي يحكم الصراعات "توازن القوى" وكأن الأقدار قررت إدخالهم حرباً غير متكافئةٍ مع جيشٍ يملأه شعورٌ بالزهو والتفوق، جرّاء النصر الساحق الذي حققه، حيث قال أسطورته موشيه ديّان، حين بدأ الفلسطينيون مقاومتهم للإحتلال الجديد، "إن ما تسمّونه مقاومة هو في الواقع بيضةٌ يسحقها جيش الدفاع متى يشاء".
تسعٌ وخمسون سنة هي عمر حزيران الأول، وعلى مدى سنواته الطويلة تغيّرت خرائط وكيانات وسياساتٌ واستراتيجيات، وسالت أنهارٌ من الدم، في حروبٍ بعضها أطفأته التسويات، وبعضها الآخر ما زال مشتعلاً.
💬 التعليقات (0)