كانت هزيمة يونيو/حزيران 1967 زلزالا سياسيا وثقافيا هزّ الأسس التي قامت عليها صورة الدولة المصرية والمجتمع والمستقبل، وقد انشغل السياسيون والعسكريون بتفسير أسباب الانهيار، لكن السينمائيين وجدوا أنفسهم أمام سؤال أكثر صعوبة عن كيفية الانحدار إلى مشهد النكسة.
من بين العشرات الذين عاصروا تلك اللحظة، برز ثلاثة مخرجين مصريين قدم كل منهم إجابة مختلفة تماما للسؤال الصعب، هم يوسف شاهين وتوفيق صالح وشادي عبد السلام.
جمعهم حب الوطن والحلم ورفض الهزيمة، فحولوا ذلك كله إلى مواد فنية، لكن كلا منهم اختار طريقا مختلفا، فقد بحث شاهين عن جذور الهزيمة في المجتمع والدولة، ورأى فيها توفيق صالح انهيارا للإرادة الجماعية العربية، بينما ذهب شادي عبد السلام إلى البحث في الهوية والذاكرة التاريخية.
بالنسبة ليوسف شاهين، لم تكن الهزيمة مفاجأة أو حدثا منفصلا عن السياق، وإنما جاءت نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل الداخلي، لذلك حين أراد تناولها، لم يذهب مباشرة إلى جبهة القتال، وإنما عاد إلى المجتمع نفسه للبحث عن اللحظة التي بدأ فيها الانكسار.
في فيلم "الأرض" عام 1969، المقتبس عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، وبطولة محمود المليجي وعزت العلايلي، والذي جاء بعد عامين فقط من النكسة، لا تظهر إسرائيل ولا تظهر الحرب، بل تدور الأحداث في قرية مصرية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يحاول الفلاحون الدفاع عن أرضهم في مواجهة سلطة تسعى إلى انتزاعها منهم، لكن الفيلم لا يُقرأ بعد عام 1967 باعتباره دراما ريفية فقط.
في المشهد الأشهر من الفيلم، يُربط محمد أبو سويلم (محمود المليجي) بحبل وتجره قوات السلطة فوق التراب بينما يتمسك بالأرض بكل ما تبقى لديه من قوة، تقترب الكاميرا من الجسد الممزق ومن اليدين اللتين تحاولان التشبث بالطين، ورغم أن المشهد لا يحمل خطابا سياسيا، فإنه كان صورة رمزية لفقدان الأرض نفسها.
💬 التعليقات (0)