تعد الوسطية إحدى الخصائص الجوهرية التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، فهي المنهج الذي أقام توازناً دقيقاً بين متطلبات الروح وحاجات الجسد. وقد جعل الله سبحانه وتعالى هذه السمة عنواناً للأمة الإسلامية ورسالتها الحضارية، لتكون الاستقامة في الفكر والاعتدال في السلوك هما المحرك الأساسي للحياة.
انطلاقاً من هذا المبدأ، جعل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من الوسطية والاعتدال ركيزة أساسية في خطابه العلمي والدعوي والفكري. ويؤمن الاتحاد بأن استعادة الأمة لدورها الحضاري لا تتحقق إلا عبر فهم رشيد للدين، يبتعد عن مسالك الغلو والتشدد من جهة، وعن مزالق التفريط والانحلال من جهة أخرى.
يسعى الاتحاد في أدبياته إلى تقديم الإسلام في صورته الناصعة التي تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، وتصل بين نصوص الوحي ومقاصده الكلية. ويهدف هذا التوجه إلى الحفاظ على ثوابت الشريعة مع استيعاب كامل لمتغيرات الواقع ومستجدات العصر، لضمان قدرة الإسلام على معالجة القضايا المتجددة.
لا ينظر الاتحاد إلى الوسطية بوصفها تنازلاً عن أحكام الشريعة أو مساومة على ثوابتها الراسخة، بل يراها تجسيداً حقيقياً لمنهج العدل والاتزان. فهي ليست موقفاً رمادياً يقف على مسافة واحدة من الحق والباطل، بل هي التزام بالصراط المستقيم بعيداً عن الإفراط والتفريط.
يؤكد الاتحاد في بياناته ومقرراته العلمية على أهمية الفهم الشامل للنصوص الشرعية، وهو الفهم الذي يستوعب مقاصد الشريعة الكبرى ويراعي أحوال الناس. كما يحذر بشدة من القراءات المجتزأة أو الانتقائية للنصوص، لما قد تؤدي إليه من اضطراب في الفهم وانحراف في التطبيق العملي.
يبرز الموقف الحازم للاتحاد تجاه ظواهر الغلو والتطرف التي أضرت بصورة الإسلام، حيث يشدد على أن التكفير بغير حق واستباحة الدماء المعصومة هما انحرافان خطيران. ويرى الاتحاد أن مواجهة التطرف لا تقتصر على الإدانة، بل تتطلب معالجة الجذور الفكرية والتربوية والثقافية لبناء وعي صحيح.
💬 التعليقات (0)