أمد/ لم يكن حديث الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن ربط وقف الحرب مع إيران بمسار التطبيع مع إسرائيل لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر بل بدا وكأنه إعلان واضح عن طبيعة المشروع الأمريكي الإسرائيلي الجديد في الشرق الأوسط وان واشنطن التي دخلت المواجهة مع طهران بمطالب اسرائيلية في مقدمتها إسقاط النظام والنفوذ الإيراني وإعادة رسم خارطة المنطقة بالقوة اكتشفت بعد شهور من التصعيد أن الحرب لم تحقق أهدافها الكبرى لا عسكريا ولا سياسيا ولذلك بدأ البيت الأبيض يبحث عن مخرج مختلف يحول التعثر العسكري إلى إنجاز سياسي يمكن تسويقه داخليا وخارجيا وهنا عاد ترامب إلى الورقة التي يعتبرها أهم إنجازاته في المنطقة وهي اتفاقيات أبراهام سيئة السمعة والذكر
اللافت في الامر أن ترامب لم يطرح التطبيع هذه المرة باعتباره خيارا سياديا للدول العربية أو نتيجة لمسار سلام متوازن بل قدمه بصورة أقرب إلى المقايضة السياسية المباشرة من حيث وقف الحرب مع ايران مقابل التطبيع مع اسرائيل وكأن أمن المنطقة واستقرارها وتحقيق التهدئة بات مشروطا بفتح أبواب الاعتراف الكامل بإسرائيل دون أن تقدم الأخيرة أي تنازل حقيقي للفلسطينيين أو توقف سياساتها التوسعية والاستيطانية أو حتى تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره و إقامة دولته المستقلة
مجمل المعادلة المتناقضة تكشف بوضوح أن الحرب على إيران لم تكن منفصلة عن مشروع إعادة تشكيل المنطقة سياسيا ومنذ سنوات تعمل واشنطن وتل أبيب على بناء تحالف إقليمي جديد تكون إسرائيل فيه القوة المركزية سياسيا وأمنيا واقتصاديا بينما يتم دفع الدول العربية والإسلامية إلى الانخراط داخل هذا المشروع تحت عناوين مواجهة إيران أو حماية الاستقرار أو ضمان المصالح الاقتصادية ولهذا فإن الربط الذي أعلنه ترامب بين إنهاء الحرب وتوسيع اتفاقيات أبراهام يعكس قناعة أمريكية إسرائيلية بأن الضغوط العسكرية والاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أداة قوية لإجبار المنطقة على القبول بالوقائع الجديدة
الحرب نفسها كشفت حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية معا وإيران رغم الضربات بقيت قادرة على تهديد الملاحة الدولية وفرض معادلات ردع معقدة كما أن دول الخليج اكتشفت أن أي مواجهة واسعة مع طهران ستضع اقتصادها ومنشآتها النفطية ومدنها الكبرى تحت خطر مباشر ولهذا بدأت عواصم الخليج تنظر إلى التهدئة باعتبارها ضرورة استراتيجية تتعلق ببقائها واستقرارها وليس مجرد خيار سياسي مؤقت مضطرة للقبول به
ترامب حاول استثمار هذا القلق الخليجي بأقصى درجة ممكنة وهو يدرك أن دول المنطقة تريد إنهاء الحرب وتجنب الانفجار الإقليمي ولذلك قام بتحويل حاجتها إلى الأمن والاستقرار إلى ورقة ضغط سياسية تدفعها نحو التطبيع مع إسرائيل دون شروط حقيقية ولهذا جاءت تصريحاته الأخيرة وكأنها رسالة واضحة مفادها أن الطريق إلى وقف الحرب يمر عبر بوابة تل أبيب حصرا
في العمق تبدو حسابات ترامب مرتبطة أيضا بأزمته السياسية الداخلية خاصة وان الرجل الذي وعد الأمريكيين بحسم سريع وإخضاع إيران وجد نفسه أمام حرب طويلة ومكلفة لم تنتج نصرا واضحا ولذلك أصبح بحاجة إلى إنجاز سياسي كبير يعوض تعثر الخيار العسكري ويعيد تقديمه أمام جمهوره باعتباره صانع سلام ومهندس شرق أوسط جديد ولهذا يسابق الزمن قبل نهاية ولايته لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاختراقات التطبيعية حتى يكتب اسمه باعتباره الرئيس الذي دمج إسرائيل بالكامل داخل المنطقة العربية والإسلامية
💬 التعليقات (0)