f 𝕏 W
تأمين الحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية في القانون الدولي الإنساني- غزة نموذجاً للانهيار المنهجي وإغلاق المعابر كأداة خنق

أمد للاعلام

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 1 د قراءة
زيارة المصدر ←

تأمين الحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية في القانون الدولي الإنساني- غزة نموذجاً للانهيار المنهجي وإغلاق المعابر كأداة خنق

والمادة 70 من البروتوكول الأول التي تنظم عمليات الإغاثة في النزاعات الدولية.

🤖
ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
يستعرض التقرير انهيار الحماية الإنسانية والمساعدات في القانون الدولي الإنساني، مستشهداً بغزة كنموذج، حيث تحولت المساعدات إلى أداة حصار وعقاب جماعي. ويشير إلى أن إغلاق المعابر، خاصة رفح، أصبح أداة خنق إنساني، مما يثير تساؤلات حول فعالية القانون الدولي في ظل ممارسات دولة الاحتلال التي تقيد وتدمر الإغاثة بشكل منهجي.
📌 أبرز النقاط

أمد/ تمثل الحماية الإنسانية أحد الركائز الجوهرية في القانون الدولي الإنساني، إذ لا تقتصر مهمة القانون على تقنين وسائل الحرب وحماية المدنيين من آثار النزاع فحسب، بل تمتد إلى ضمان وصول المساعدات الإغاثية بشكل آمن ودون عوائق إلى المحتاجين، مع توفير بيئة تحمي العاملين في المجال الإنساني والمرافق الطبية والإغاثية. تتوزع قواعد الحماية الإنسانية في نصوص متفرعة من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، وخصوصاً المادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم دولة الاحتلال بالسماح بمرور المساعدات الطبية والغذائية بحرية، والمادة 70 من البروتوكول الأول التي تنظم عمليات الإغاثة في النزاعات الدولية. غير أن الحالة الفلسطينية، وتحديداً قطاع غزة، تقدم نموذجاً بائساً لكيفية تحول الحماية الإنسانية إلى أداة ضغط وسلاح الحصار وهندسة التجويع، بدلاً من أن تكون حقاً مكفولاً للسكان المدنيين. فمنذ سنوات، وخاصة بعد اندلاع حرب الابادة من اكتوبر 2023 إلى اكتوبر2025، تحولت غزة إلى أكبر مختبر لانهيار نظام الحماية الإنسانية بأكمله؛ مساعدات تمنع بالكامل لأشهر، قوافل إغاثة تستهدف بالقصف، موظفون إنسانيون يُقتلون بأعداد غير مسبوقة، ومستشفيات تتحول إلى ساحات قتال. أيضاً مع تفاقم الأزمة، برز إغلاق المعابر وعلى رأسها معبر رفح كأداة خنق إنساني نهائية، حيث تحول المعبر من شريان حياة إلى بوابة مغلقة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية؛ كل هذا يطرح سؤالاً إشكالياً ملحاً؛ كيف يمكن للقانون الدولي الإنساني أن يؤمن الحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية في بيئة يتحول فيها مانع الإغاثة نفسه (دولة الاحتلال) إلى طرف في النزاع يقيد ويمنع ويدمر الإغاثة بمنهجية، ويغلق المعابر الدولية التي كانت المصدر الوحيد للبقاء، وأي آليات يمكن تفعيلها لوقف هذا الانهيار المنهجي للحماية في قطاع غزة. أولاً: الإطار القانوني للحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية في القانون الدولي الإنساني- الالتزامات والحقوق. تتأسس الحماية الإنسانية في القانون الدولي على مبادئ ثلاثة مترابطة هي: - مبدأ التمييز (بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية). - مبدأ الضرورة العسكرية الذي لا يبرر تدمير البنى الحيوية للمدنيين، ومبدأ التناسب الذي يمنع أي هجوم قد تتسبب خسائره المدنية في تجاوز الميزة العسكرية المتوقعة. إلا أن الحماية الإنسانية تشمل بعداً أوسع يتعلق بتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين من غذاء وماء ودواء ومأوى، وهذا ما نصت عليه بوضوح المادة 14 من اتفاقية جنيف الثالثة والمادة 55 من البروتوكول الأول التي تحظر تجويع المدنيين كوسيلة حرب وتلزم أطراف النزاع بالسماح بمرور المساعدات الإنسانية. وفي حالة الأراضي المحتلة، تبرز المادة 56 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم دولة الاحتلال بضمان الصحة العامة والنظافة، والمادة 59 التي تسمح بإنشاء مناطق محايدة لإيواء الجرحى والمرضى. الأهم هو المادة 70 من البروتوكول الأول التي تنص على أنه "إذا لم يتم تزويد السكان المدنيين بما يكفي من المواد الضرورية لبقائهم، جاز القيام بعمليات إغاثة إنسانية تكون محايدة وغير متحيزة"، وتلتزم أطراف النزاع بالسماح بمرورها وتسهيلها؛ عبر احترام المباديء التالية: (أ) مبدأ الموافقة على الإغاثة: القانون لا يشترط موافقة طرف النزاع على دخول المساعدات إذا ثبت أن السكان يعانون مجاعة أو نقصاً حاداً، لكنه في الممارسة أصبح الموافقة أداة ضغط سياسي. (ب) حماية العاملين الإنسانيين: تُعتبر الهجمات المتعمدة ضد موظفي الإغاثة انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني وتصنف كجريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي ، وكذلك استهداف سيارات الإسعاف والمستشفيات والمخازن الإغاثية. (ج) حماية الخطوط الإنسانية: اتفاقيات جنيف تحظر منع أو عرقلة وصول المساعدات أو استخدامها كرهائن، مع إلزامية تسهيل عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهيئات الأمم المتحدة كالأونروا وبرنامج الغذاء العالمي. لكن ما يحدث في غزة يظهر فجوة صارخة بين النص والواقع، حيث أن القانون يعتمد على "حسن نية الأطراف" لتنفيذ الالتزامات، وهو ما ينهار تماماً عندما يكون أحد الأطراف (دولة الاحتلال الاسرائيلي ) هي نفسها المسؤول عن الحماية وهي نفسها مانع الإغاثة والمهاجم المعتدي على موظفي الإغاثة. لذلك علينا تعريف مفهوم "دولة الاحتلال"،حيث يمتد ليشمل السيطرة على المعابر، حتى تلك الواقعة على حدود دول ثالثة؛ فمحكمة العدل الدولية أوضحت في فتواها حول الجدار أن السيطرة الفعلية على الحدود والمجال الجوي والمياه الإقليمية تفرض المسؤولية الكاملة، وبالتالي فإن إغلاق معبر رفح الفلسطيني بقوة السلاح الإسرائيلي بعد مايو 2024 يجعل إسرائيل مسؤولة مباشرة عن كل حبة طعام لم تدخل، وعن كل مريض لم يخرج للعلاج. ثانياً: غزة كحالة دراسية- كيف تم تحويل الحماية الإنسانية إلى أداة حصار وعقاب جماعي. منذ فرض الحصار البري والبحري والجوي على غزة عام 2007، دخل القطاع في حالة استثنائية نادرة في تاريخ القانون الدولي الإنساني، أصبح منطقة مأهولة بأكثر من مليوني مدني محاصرة بالكامل، وكل ما يدخل إليها أو يخرج منها يخضع لتقدير دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ ومع أن محكمة العدل الدولية في فتواها حول جدار الفصل عام 2004 أكدت أن إسرائيل لا تزال دولة محتلة حتى بعد فك الاستيطان من غزة عام 2005، واتفاقيات جنيف الرابعة لا تزال سارية المفعول، إلا أن إسرائيل تبنت مفهوم "فك الارتباط" لتبرير عدم التزامها الكامل بقوانين الاحتلال فيما يتعلق بالمسؤولية المباشرة عن توفير الاحتياجات الأساسية. لكن في حرب الابادة من اكتوبر2023-إلى اكتوبر2025، وصل الأمر إلى ذروته، قطعت إسرائيل بالكامل (الماء والكهرباء والوقود والغذاء والدواء) عن غزة لمدة أسابيع، في مشهد وصفته الأمم المتحدة بأنه "عقاب جماعي واضح وصريح" وأحد "أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين". أيضا تدمير النظام الصحي الإنساني حيث استهدف القصف الإسرائيلي 34 مستشفى ومركزاً صحياً بشكل مباشر أو شبه مباشر، وأدى إلى خروج معظمها عن الخدمة، مع محاصرة مستشفى الشفاء والأندونيسي والمعمداني لأيام دون إخلاء للمرضى والموظفين، وهو شكل من أشكال الحصار داخل الحصار في غزة. استهداف قوافل المساعدات وموظفي الإغاثة؛ إذ وثّقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 250 عاملاً إنسانياً في غزة منذ أكتوبر 2023 (وهو أكبر عدد يُقتل في نزاع واحد في تاريخ الأمم المتحدة)، بالإضافة إلى استهداف القوافل التي تنسق مع الجيش الإسرائيلي مسبقاً، مثل القافلة التي قصفت في 1 أبريل 2024 وقتل فيها موظفي منظمة "المطبخ المركزي العالمي" وكانت منسقة تماماً مع قادة الاحتلال؛ إضافة إلى ذلك، منع الوقود بشكل خاص أدى إلى شل حركة سيارات الإسعاف والمولدات في المستشفيات ومحطات تحلية المياه ومخابز الخبز، مما جعل الموت جوعاً وعطشاً ومرضاً بديلاً عن الموت بالقصف. النقطة الأكثر خطورة هي أن إسرائيل استخدمت إدخال المساعدات كأداة تفاوض وابتزاز سياسي، تدخل قوافل محدودة جداً مقابل إفراج عن أسرى اسرائيليين في غزة، أو تهدئة مؤقتة، وتمنع دخول كميات كافية من الغذاء بشكل متعمد لتوليد المجاعة (هندسة الجوع)، وهذا الفعل يرقى إلى جريمة التجويع كوسيلة حرب، وهو محظور بموجب المادة 54 من البروتوكول الأول ويعتبر جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية إذا كان ممنهجاً؛ وهنا لا بد من التذكير بأن معبر رفح البري الفلسطيني ظل لسنوات المنفذ الوحيد الذي لا تسيطر عليه إسرائيل بشكل مباشر في قطاع غزة، لكن بعد إغلاقه عسكرياً انسدت آخر ثغرة إنسانية، وتحولت غزة إلى صندوق مغلق تماماً لا يدخل منه شيء ولا يخرج منه أحد، وهذا يحول الحصار من مجرد تضييق إلى خنق كامل وسجن كبير لسكان غزة. ثالثاً: انتهاكات محددة لقواعد الحماية الإنسانية في حرب غزة 2023-2025- توثيق منهجي لتوضيح حجم الانهيار، يمكن رصد مجموعة من الانتهاكات الجسيمة التي وثقتها منظمات دولية موثوقة (الأمم المتحدة، منظمة الصحة العالمية، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هيومن رايتس ووتش، العفو الدولية) منها الآتي: 1-منع إدخال الغذاء والماء مع أن المجاعة أصبحت وشيكة أو ربما تحققت في شمال القطاع، حيث أعلن برنامج الغذاء العالمي في مارس 2024 أن طفلين من بين كل ثلاثة أطفال في شمال غزة يعانون من سوء تغذية حاد، ووفاة أطفال تحت سن الخامسة بسبب الجفاف وسوء التغذية في مستشفى كمال عدوان. 2-استهداف المستشفيات بشكل متعمد، حيث قصفت المستشفى المعمداني في 17 أكتوبر 2023 بما وصفه البعض بقنبلة جوية، وأغلقت قوات الاحتلال مجمع الشفاء الطبي لأسابيع، وتم تصوير مشاهد تدمير أقسام كاملة بالجرافات بعد اقتحامها. 3-منع الإخلاء الآمن للمرضى الفلسطينيين في قطاع غزة، ففي بعض الحالات ظل مرضى العناية المركزة والأطفال الخدج على أجهزة التنفس دون كهرباء أو وقود، ومات الكثيرون نتيجة انقطاع الأكسجين، وهو انتهاك صريح للمادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم بحماية المدنيين المرضى والجرحى. 4-استهداف فرق الإسعاف والدفاع المدني، فقد أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني مقتل 17 مسعفاً وإصابة 60 آخرين في الأسبوع الأول من حرب الإبادة فقط، ومحاصرة سيارات الإسعاف على الحواجز العسكرية ومنعها من الوصول إلى الجرحى الذين ينزفون حتى الموت. 5-تدمير البنية التحتية الإنسانية مثل (مخازن الأونروا ومستودعات الغذاء ومحطات المياه والصرف الصحي)، حيث قُصفت مخازن الأونروا في عدة مواقع بعد إبلاغ إسرائيل بإحداثياتها مسبقاً، وأصبح أكثر من مليون نازح بدون مياه نظيفة مما أدى إلى انتشار أمراض الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي في قطاع غزة. 6-منع دخول الوقود بشكل كامل في الأسابيع الأولى من حرب الابادة في غزة ، وبعد ذلك إدخال كميات لا تتجاوز 5% من الاحتياج اليومي، مما أوقف كافة عربات الإسعاف، وأوقف شبكات الاتصالات والإنترنت (وهو أيضاً انتهاك للحق في المعلومة المنقذة للحياة). 7-القصف المتعمد على محيط نقاط توزيع المساعدات و(المخابز لخبز الخبز)، حيث حدثت مجازر في منطقة "دوار الكويت" والنابلسي في مدينة غزة أثناء انتظار المدنيين الجائعين للحصول على المساعدات، مما أوقع مئات القتلى والجرحى، وهو ما تُصنفه الأمم المتحدة على أنه هجوم مباشر على مدنيين في حالة ضعف قصوى؛ كل هذه الانتهاكات مجتمعة ترسم صورة ممنهجة لتفكيك كامل نظام الحماية الإنسانية، وليس مجرد تجاوزات فردية، مما يدخلها تلقائياً في تعريف الجرائم ضد الإنسانية؛ وإذا أضفنا إلى هذه القائمة إغلاق معبر رفح البري الفلسطيني كأداة خنق، نجد أن الانتهاك لا يقتصر على ما يحدث داخل غزة بل يمتد إلى منع أي محاولة خارجية للتخفيف من الكارثة. رابعاً: فشل الآليات الدولية في تأمين الحماية الإنسانية لغزة-لماذا لا تعمل القواعد. السؤال الأكثر إيلاماً في الحالة الغزية هو ،إذا كانت القواعد القانونية واضحة، فلماذا لا يتم تفعيلها؛ الإجابة معقدة وتتعلق بثلاث طبقات من الفشل المتراكم وهي كما يلي: - الطبقة الأولى: غياب آلية إلزامية لتنفيذ الحماية الإنسانية؛ القانون الدولي الإنساني لا يملك جيشاً أو شرطة دولية لفرض السماح بدخول المساعدات إلى غزة؛ بل يعتمد على مجلس الأمن الدولي لإصدار قرارات ملزمة بموجب الفصل السابع. لكن مجلس الأمن أصدر قرارات عدة (مثل القرار 2417 لعام 2018 الذي يدين استخدام التجويع ضد المدنيين، والقرار 2720 لعام 2023 الذي يطالب بإدخال مساعدات واسعة لغزة) لكن إسرائيل خالفتها جميعاً دون عقاب لها من مجلس الامن، بسبب الفيتو الأمريكي المتكرر ضد أي قرار يتضمن عقوبات أو آليات تنفيذ ضد دولة الاحتلال الاسرائيلي. - الطبقة الثانية: فشل آلية التنسيق الإنساني (الكلسوسيت). في النزاعات المعتادة، توقع اتفاقيات جنيف أن تقوم جهة محايدة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتيسير الحماية، أو أن توقع أطراف النزاع اتفاقيات "نقاط اتصال" لتنسيق المساعدات؛ لكن في غزة، تم إنشاء آلية التنسيق مع COGAT (الجهة الإسرائيلية المختصة)، لكن هذه الآلية أثبتت فشلاً ذريعاً لعدة أسباب منها ؛قوافل مساعدات غذائية تنتظر على الجانب المصري لأسابيع، ورفض إسرائيلي مستمر لإدخال المعدات الإغاثية الأساسية كالكراسي المتحركة والمساعدات الطبية التخصصية بحجة "الاستخدام المزدوج". -رفض دولة الاحتلال الاسرائيلي فتح ممرات إنسانية مستقلة، على الرغم من مطالبات أممية متكررة بإنشاء ممر بحري أو جوي لإيصال المساعدات مباشرة، إلا أن إسرائيل أصرت على أن أي مساعدات لا بد أن تمر بتفتيشها، واستخدمت في بعض الأحيان قصف الممرات الجوية المعلنة مثل الهجوم على قافلة "المطبخ المركزي حيث تسبب بقتل أبرياء". - الطبقة الثالثة: تآكل مبدأ الحياد الإنساني. عندما تتهم دولة الاحتلال الاسرائيلي منظمات الإغاثة (خاصة الأونروا) بالانحياز، وتقطع عنها التمويل مؤقتاً كما فعلت عدة دول غربية في يناير 2024 بناء على اتهامات غير مثبتة، فإن ذلك يضعف قدرة تلك المنظمات على العمل ويعرض موظفيها للخطر. أيضاً، محاولات إسرائيل تصنيف بعض المنظمات الإنسانية (كجهات إرهابية)، لمنعها قانونياً من الوصول إلى الضحايا، وهو شكل حديث من أشكال عرقلة الحماية الإنسانية. في المحصلة، ما حدث في غزة هو انهيار كامل لعقد الحماية الإنسانية؛ طرف النزاع القوي (دولة الاحتلال الاسرائيلي) منع دخول المساعدات وتنفذ مخطط هندسة التجويع، والمجتمع الدولي عاجز عن إجبارها بسبب التوازنات السياسية ودعم واشنطن لها، والضحايا المدنيون في غزة يدفعون الثمن بالموت جوعاً أو تحت الأنقاض أو مرضاً أو نزيفا من إصابة بدون توفر العلاج المناسب؛ إن إغلاق معبر رفح تحديداً أظهر عجزاً إضافياً، لأن المعبر يقع على حدود دولة ثالثة هي (مصر) التي حاولت قدر استطاعتها إدخال المساعدات لغزة، لكنها اصطدمت بالاحتلال الاسرائيلي العسكري للجانب الفلسطيني ( معبر رفح البري)، ولم يجرؤ المجتمع الدولي على فرض ممر إنساني رغم وضوح الجريمة التي تقوم بها اسرائيل في قطاع غزة. خامساً: آليات مقترحة لتأمين الحماية الإنسانية في قطاع غزة. بالعودة إلى السؤال الإشكالي، وإذا أردنا تجاوز الإحباط من عدم تنفيذ قواعد القانون الدولي في غزة، يمكن اقتراح مسارين، أحدهما فوري وقصير المدى، والآخر هيكلي طويل المدى يتجلى في التالي: 1-الممرات الإنسانية البديلة؛ بما أن المعابر البرية الفلسطينية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أثبتت فشلها، يمكن تفعيل ممرين هما: (أ) الممر البحري من قبرص إلى غزة، وهو ما جرى تجربته جزئياً في مارس 2024 عبر سفينة "أوبن آرمز"، ولكن هذه المبادرة واجهت تحديات لوجستية (عدم وجود ميناء عامل في قطاع غزة، وأيضا استمرار القصف البحري الإسرائيلي الذي يهدد السفن)؛ يمكن تطويرها عبر ضمانات دولية من دول عربية وأوروبية بمرافقة بحرية محايدة، مع وجود لجنة دولية لتوزيع المساعدات فور وصولها على السكان الفلسطينيين في غزة. (ب) الممر الجوي عبر إسقاط المساعدات جواً، وقد نفذته عدة دول (الأردن، مصر، فرنسا، الولايات المتحدة) لكنه فاشل؛ وغير كافٍ وخطير لأنه قد يسقط مساعدات على البحر أو على مناطق مأهولة ويسبب إصابات بل تسبّب في موت أشخاص أبرياء كانوا ينتظرون هذه المساعدة التي سقطت فوق رؤوسهم. لذلك يجب الضغط من خلال تحالف الدول الراغبة في حماية إنسانية (Coalition of the Willing)، وهو نموذج مستوحى من العمليات الإنسانية في "البوسنة والهرسك" في التسعينيات، حيث تتفق مجموعة من الدول على توفير الحماية بالقوة للممرات الإنسانية إذا تعطل مجلس الأمن عن اخذ قرار بإدخال المساعدات الإنسانية وإجبار دولة الاحتلال الاسرائيلي على تنفيذ القرار؛ هذا مقترح متطرف لكنه ليس خيالياً، خصوصاً إذا تضاعفت المجاعة وانتشرت الأمراض إلى درجة تهدد الاستقرار الإقليمي. 2- آليات قانونية بديلة - مقاضاة المسؤولين عن منع المساعدات أمام محاكم وطنية وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية؛ عدة دول أوروبية (بلجيكا، إسبانيا، ألمانيا) لديها قوانين تسمح بمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن جنسياتهم؛ يمكن لمنظمات حقوقية رفع قضايا ضد قادة الجيش الإسرائيلي الذين أمروا بمنع دخول المساعدات أو قصفوا قوافلها أو أغلقوا معبر رفح الفلسطيني، بدعوى أن ذلك يشكل جريمة تجويع كوسيلة حرب؛ هناك سابقة في قضية "الجنرال ميلان مارتيتش" في يوغوسلافيا السابق الذي أدين بمنع ادخال المساعدات الغذائية الإغاثية إلى كوسوفو. 3-مقاطعة دبلوماسية واقتصادية لأي دولة تشارك في تقديم أسلحة لدولة الاحتلال الاسرائيلي التي تمنع المساعدات الإنسانية بشكل منهجي، وفق مبدأ المسؤولية المشتركة في القانون الدولي (الذي أشارت إليه لجنة القانون الدولي في مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً). 4-تعزيز الحماية الرقمية من خلال استخدام (تقنيات التوثيق بالبلوك تشين)، لحفظ الأدلة على منع المساعدات، واستخدام صور الأقمار الصناعية المباشرة لعرض حجم الكارثة، والضغط على حكومة دولة الاحتلال الاسرائيلي من خلال الرأي العام العالمي الذي أصبح أكثر وعياً بفضل وسائل التواصل الاجتماعي. 5- حل هيكلي يتمثل في إنشاء "محكمة إنسانية دولية دائمة" مختصة بحالات منع المساعدات الإنسانية بجميع أنواعها تختص بذلك فقط، لأن نظام المحكمة الجنائية الدولية ونظام محكمة العدل الدولية الحالي أثبت بطؤه؛ لكن هذا الحل يحتاج سنوات لتنفيذه. خلاصة القول؛ لا يوجد حل سحري، لكن الممرات البحرية والجوية المحمية دولياً تظل أفضل أمل قصير المدى، إلى جانب تفعيل آليات المقاطعة القانونية الفردية من قبل منظمات المجتمع المدني مثل منظمة BDS؛ وما لم يفتح معبر رفح البري الفلسطيني بشكل غير مشروط وتحت القوات الفلسطينية بجانب إشراف دولي، فإن أي حديث عن تحسن إنساني سيكون مجرد كلام نظري عاطفي لا يعني شيء. سادساً: إغلاق معبر رفح وبقية المعابر نحو غزة ومنع إدخال المساعدات-تفاصيل الجريمة وآثارها الكارثية. لا يكتمل تصوير الكارثة الإنسانية في غزة دون تحليل دقيق لدور المعابر، وخصوصاً معبر رفح البري الفلسطيني الذي كان وما يزال هو شريان الحياة الوحيد للسكان بعد إغلاق دولة الاحتلال الاسرائيلي؛ معبر بيت حانون المسمى (إيرز) ومعبر كرم أبو سالم بشكل شبه كامل؛ تاريخياً، خضع معبر رفح لاتفاقيات ترتيب خاصة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ومصر، لكن بعد حرب الإبادة من اكتوبر2023 إلى أكتوبر2025، أصبح مسرحاً لاستراتيجية إغلاق اسرائيلية ممنهجة تضرب عرض الحائط كل القوانين الإنسانية منها التالي: 1- بعد سيطرة إسرائيل العسكرية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح البري في مايو 2024، توقف إدخال المساعدات والوقود بشكل كامل لأسابيع في غزة، وتحول المعبر من منفذ حيوي إلى نقطة احتكاك عسكرية مغلقة؛ هذا الإغلاق تزامن مع بداية المجاعة الحادة في شمال ووسط قطاع غزة (سياسة هندسة الجوع)، مما يعني أن إسرائيل قطعت حتى آخر متنفس إنساني أمام مليوني ونصف إنسان فلسطيني. -ازدواجية المعايير الإسرائيلية في تفسير "المعبر الخاضع لسيطرة الاحتلال"، فرغم أن محكمة العدل الدولية أكدت أن إسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة عن غزة كدولة محتلة بموجب القانون الدولي، إلا أن إسرائيل تذرعت بأن معبر رفح البري، يقع على حدود مصرية فلسطينية، وتحاول تحميل مصر مسؤولية عدم فتحه، بينما تمنعه هي بقوة السلاح؛ في المقابل، رفضت إسرائيل فتح معبر كرم أبو سالم التجاري بشكل كافي لادخال البضائع والمواد الغذائية، وبررت ذلك بحجة الحفاظ على"الأمن الاسرائيلي" لكن تقارير الأمم المتحدة كشفت أن المعبر كان يستقبل سابقاً أكثر من 500 شاحنة يومياً، أما خلال حرب الابادة، فلم يدخل عبره أكثر من 100 شاحنة يومياً في أفضل الأحوال، وغالباً أقل من 50 شاحنة. 2-الآليات المطبقة على معبر رفح شكلت مهزلة إنسانية بامتياز؛ كانت المساعدات تُفرغ على الجانب المصري، ثم تُنقل إلى شاحنات فلسطينية، لكنها تُعرض للتفتيش الإسرائيلي عبر كاميرات وطواقم إسرائيلية عن بُعد، وغالباً ما كانت تُرفض شحنات بأكملها بحجة "مواد مزدوجة الاستخدام" تشمل أدوات جراحية، أسطوانات أكسجين، كراسي متحركة للمعاقين، وحتى أحبار طبية، بل وصل الأمر إلى منع إدخال حليب الأطفال ومضخات المياه وأجهزة تحلية المياه لكونها تحتوي على بطاريات أو معادن يمكن استخدامها عسكرياً. 3-إغلاق المعابر أدى إلى توقف كامل تقريباً لدخول فرق الإغاثة الدولية، فلم يُسمح إلا لفرق محدودة جداً تابعة للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول، بينما مُنعت فرق طبية متخصصة وكوادر إغاثية دولية مستقلة، رغم حاجة غزة الماسة لذلك؛ كما أن إغلاق المعبر منع خروج المرضى والجرحى للعلاج في الخارج، بما في ذلك مرضى السرطان والفشل الكلوي، ومات العشرات وهم ينتظرون على الجانب الفلسطيني من المعبر؛ إذناً لم يأتِ أبداً إلا بعد موت هؤلاء المرضى. 4-إسرائيل استغلت إغلاق معبر رفح الفلسطيني البري،كورقة ضغط سياسي في مفاوضات التهدئة مع الفصائل الفلسطينية، فكان كل حديث عن هدنة مؤقتة يرتبط بفتح المعبر بشكل جزئي وتحت شروط تعجيزية من اسرائيل مثل(فحص جميع السائقين الفلسطينيين، إدخال أسماء جميع المستفيدين مسبقاً، منع إدخال أي مواد قد تفيد المقاومة، والإشراف على التوزيع لمنع "النهب"). 5-هذا الإغلاق المنهجي للمعابر يشكل انتهاكاً صريحاً للمادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم دولة الاحتلال بالسماح بمرور المساعدات الطبية والدينية والغذائية لسكان دولة العدو (المحتلة) ؛بما فيها المناطق الخاضعة لسيطرة طرف ثالث، والمادة 59 التي تنص على أن احتكار طرف النزاع لمناطق الإغاثة لا يعفيه من التزام السماح بالمرور. بل يمكن القول إن إغلاق معبر رفح البري الفلسطيني بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي عليه؛ هو شكل من أشكال العقاب الجماعي والانتقام من المدنيين بسبب رفض الفصائل المسلحة لشروط الاحتلال الاسرائيلي، ويدخل في نطاق الجرائم ضد الإنسانية كما وردت في المادة السابعة من نظام روما (الاضطهاد، الإبادة، وغيرهما). -التأثيرات الصحية والنفسية للإغلاق لا تقل فتكاً عن القصف، فقد أغلقت المعابر أبواب الأمل الوحيدة أمام المرضى وأسر الجرحى، وشعر سكان غزة بأنهم محاصرون في زنزانة كبرى لا مخرج منها، مما فاقم الكارثة النفسية الجماعية؛ من النقاط المهمة أيضاً توقف حركة الخروج للطلبة والمرضى والصحفيين، مما جعل غزة معزولة تماماً عن العالم، وسمح بحدوث الفظائع دون رقابة كافية داخل غزة افصح جرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية التي نفذها جيش الاحتلال الاسرائيلي في غزة. خلاصة هذا البند أعلاه؛ لا يمكن الحديث عن أزمة إنسانية في غزة دون فهم أن إغلاق المعابر ليس ثانوياً أو تكتيكياً، بل هو جوهر الجريمة وروحها؛ فالقصف وحده لا يقتل بقدر ما يقتل الجوع والمرض الناتجان عن الحصار المطبق. وإغلاق معبر رفح البري الفلسطيني بالتحديد، أغلق أمل اللاجئين في السفر للدراسة،أو العلاج خارج القطاع، وحوّل غزة إلى سجن كبير بلا بوابات مفتوحة، والمجتمع الدولي وقف متفرجاً على هذه الجريمة بحجة "سيادة دولة الاحتلال الاسرائيلي" و"حق اسرائيل في الأمن حتى لو قتلت 72 ألف فلسطيني خلال عامين من حرب الابادة في غزة"، متجاهلاً أن القانون الدولي الإنساني يضع حماية المدنيين بشكل عام، فوق كل اعتبار. الخاتمة تأمين الحماية الإنسانية والمساعدات الإنسانية ليس رفاهية قانونية ولا ترفاً أخلاقياً؛ إنه واجب مباشر على كل من يمتلكون القدرة على المساعدة، وأولاً على دولة الاحتلال الاسرائيلي نفسها بموجب اتفاقيات جنيف؛ ما حدث في غزة من حرب إبادة منذ اكتوبر 2023 إلى اكتوبر 2025, يكشف فشلاً ذريعاً للنظام الإنساني الدولي بأكمله؛ فالقانون موجود، لكن آليات التنفيذ غائبة، والإرادة السياسية غائبة، والمجتمع الدولي متفرج حتى الآن. إن إغلاق معبر رفح وبقية المعابر لم يكن مجرد إجراء عسكري اسرائيلي ثانوي، بل كان القشة التي قصمت ظهر البعير الإنساني، وأظهر أن (القانون الدولي الإنساني هش) ،لا يستطيع حماية حتى الحق في البقاء على قيد الحياة عندما تواجه إرادة الاحتلال الاسرائيلي،إرادة المجتمع الدولي المنقسمة؛ إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فستصبح الرسالة الواضحة لكل جهات النزاع في العالم أن منع المساعدات وإغلاق المعابر وتجويع المدنيين لا يكلفهم شيئاً، بل قد يخدم أهدافهم العسكرية والسياسية. هذه جريمة حرب لا يمكن قبولها؛ الحل يبدأ بخطوات صغيرة؛ إدانة جماعية وصريحة من كل منظمة دولية، فرض عقوبات محددة على المسؤولين المباشرين عن إغلاق معبر رفح ومنع المساعدات، إنشاء صندوق طوارئ إنساني فلسطيني لا يخضع لتقدير إسرائيل، وتوسيع دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليشمل تفقد المعابر بشكل دائم، والضغط من أجل فتح ممر بحري محمي دولياً؛ غزة اليوم تموت جوعاً وعطشاً وبلا دواء، والوقت ينفد؛ إما أن نعيد تعريف الحماية الإنسانية كأولوية قصوى فوق أي اعتبار عسكري أو سياسي، وإما أن نتقبل حقيقة أن القانون الدولي الإنساني أصبح مجرد نصوص تزين المكتبات بينما تدفع الأمهات والأطفال في غزة ثمناً لا يُحتمل تحت الأنقاض وفي خيام اللجوء الجائعة من المهجرين قسراً ؛وخلف معبر رفح المغلق لتصبح غزة سجن كبير يعيش فيه مليونان ونصف فلسطيني في الهواء الطلق مكبلين بالقيود المفروضة عليهم من جيش الاحتلال الاسرائيلي.

تقرير: شبكة قواعد سرية إسرائيلية في دول مجاورة لإيران منحت تل أبيب مدى عملياتياً غير مسبوق

اليوم 99..حرب إيران: بورصة ترامب تعلو وتهبط سياسيا..وخامنئي متخوف من الداخل

الأمم المتحدة: نقص التمويل يُقلص الخدمات الحيوية في قطاع غزة

عراقجي: نتواصل مع خامنئي وننفذ توجيهاته.. والخلاف مع الإمارات بسبب إسرائيل

نتنياهو يلغي التصويت على قرار وقف إطلاق النار مع لبنان بعد بيان نعيم قاسم

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من أمد للاعلام

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)