أمد/ تعيش غزة اليوم واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا منذ النكبة، فالحرب التي لم تستطع إسرائيل حسمها عسكريًا، لم تستطع المقاومة أيضًا تحويلها إلى إنجاز سياسي واضح، أما المدنيون فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع غير مسبوق من الجوع والتشريد والتدمير وانهيار مقومات الحياة. لقد توقفت جولات القتال أكثر من مرة، وجرت عمليات لتبادل الأسرى، وتكاثرت المبادرات الدولية، لكن شيئًا جوهريًا لم يتغير في حياة الناس. فلا إعمار حقيقي، ولا حرية حركة، ولا اقتصاد قادر على الحياة، ولا غذاء كافيًا، ولا ماء، ولا دواء، ولا إيواء، ولا أفقًا سياسيًا واضحًا، ولا ضمانات تمنع تكرار المأساة. وهنا ظهرت معضلة جديدة في الوعي الفلسطيني، ففي الماضي كان السؤال يدور حول كيفية مواجهة الاحتلال، أما اليوم فأصبح السؤال: كيف يمكن حماية الناس أنفسهم من التحول إلى ضحايا دائمين للصراع؟ المعضلة التي يتجنب الجميع مناقشتها في الشارع الفلسطيني، وداخل بعض الأوساط السياسية والفكرية، يتردد سؤال صعب: إذا كان الاحتلال يربط إنهاء الحصار والحرب بتسليم السلاح، فهل تتحمل حماس جزءًا من المسؤولية عن استمرار معاناة الناس بسبب رفضها لذلك؟ هذا السؤال لا يجوز الهروب منه، كما لا يجوز استخدامه أداة للتخوين. فمن جهة أولى، ترى حماس أن تسليم السلاح دون ضمانات سياسية حقيقية يعني تكرار تجارب تاريخية عديدة انتهت إلى تجريد الشعوب من أدوات قوتها بل ومن بعد السلاح أرواح ابطالها وأكثر دون أن تحصل على حقوقها والنماذج لا حصر لها. ومن يسعى إلى فهم تمسك حماس وفصائل المقاومة بسلاحها، عليه ألّا ينظر إلى المدنيين بوصفهم طرفًا منفصلًا عن المقاومة أو غريبًا عنها. فالغالبية الساحقة من الضحايا هم أبناء البيئة الاجتماعية نفسها التي خرج منها المقاتلون، بل إن كثيرًا منهم عائلات المقاتلين أنفسهم وأقاربهم وجيرانهم. ولذلك فإن صورة الصراع هنا أكثر تعقيدًا من اختزالها في ثنائية المدني والمقاتل؛ إذ تبدو المقاومة، في وعي أنصارها، وكأنها تضحي بنفسها وببيئتها الاجتماعية دفاعًا عن شعبها وقضيتها. ومن جهة ثانية، يرى آخرون أن استمرار التمسك بالسلاح في ظل اختلال موازين القوى الهائل قد يجعل السكان يدفعون أثمانًا لا يستطيعون تحملها إلى ما لا نهاية وكان بأصحاب هذا الراي يعتقدون ان تسليم السلاح سيحقق الأمان للمدنيين فعلا دون ان يتذكروا ابدا ان ذلك سيكون تنازلا علنيا عن أولئك الذين ضحوا بحياتهم دفاعا عن الشعب والوطن والقضية وعائلاتهم وهو اختلال خطير في السعي للخلاص على قاعدة التنازل وكفى بمعى الاستجابة لشروط الاحتلال دون أي ضمانات بحماية احد على الاطلاق بل ان الشواهد تقول ان غياب السلاح سيعني غياب الناس آجلا ام عاجلا. لكن المشكلة الحقيقية أن السؤال نفسه قد يكون ناقصًا، فالقضية ليست فقط: هل يسلم السلاح أم لا؟ والى ان يسلم السلاح ما ذنب الأطفال والشيوخ والمرضى في الويلات التي يعيشونها عقابا لهم على وجود السلاح والسؤال الثاني هو ما الذي سيجري بعد تسلم السلاح وما هي الضمانات الممكنة لحماية المدنيين بعد ان خبرنا طوال الحرب وفي اكثر مناسبة وعلى اكثر من صعيد ان لا ضمانات على الاطلاق، عدا عن اسالة اشد خطرا واهمية من كل شيء وهي: الى اين ذاهبون سياسيا، وماذا عن الحقوق الوطنية، وماذا عن الاستيطان والتهويد والتهجير، وماذا عن القيود والحروب والحصار وقضم الأرض وتضييق الخناق. لكن أحدا لا يملك إجابة مؤكدة، ولهذا فإن تحويل الأزمة كلها إلى قضية سلاح فقط قد يكون تبسيطًا لمشكلة أعمق بكثير. ماذا لو كان المطلوب تغيير ساحة الصراع نفسها؟ ربما تكمن المشكلة في أن الجميع ما زالوا يخوضون المعركة داخل الميدان الذي اختاره الاحتلال على مقاسه ودفعنا لان ندور به في حقة مفرغة بلا مخرج، فإسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا هائلًا، وأي مواجهة طويلة ضمن هذا الميدان تمنحها أفضلية بنيوية يصعب كسرها. ولذلك قد تكون الحكمة السياسية في البحث عن ساحات صراع أخرى تقل فيها قيمة التفوق العسكري وتزداد فيها قيمة العامل الأخلاقي والإنساني والحقوقي. لذلك قد يصبح السؤال الأهم: هل يمكن نقل مركز الثقل من ميدان القوة العسكرية إلى ميدان آخر أكثر قدرة على استنزاف الاحتلال وأقل كلفة على المجتمع؟، لقد نجحت حركات تحرر كثيرة في التاريخ عندما غيرت طبيعة الصراع لا عندما زادت منسوب العنف فيه. أدوات جديدة من قلب المجتمع أحد الاحتمالات يتمثل في الانتقال التدريجي من منطق "إدارة الحرب" إلى منطق "إدارة المجتمع". أي بناء مشروع بقاء وصمود شامل يقوم على: • لجان مجتمعية مستقلة. • تعاونيات اقتصادية. • شبكات تعليم وصحة وإغاثة محلية. • توثيق قانوني وحقوقي شامل. • حشد عالمي دائم وممنهج. فالاحتلال يستطيع تدمير المباني، لكنه يجد صعوبة أكبر في مواجهة مجتمع يعيد إنتاج نفسه باستمرار. سلاح الجوع في مواجهة السلاح الناري: قد تبدو الفكرة صادمة، لكن التاريخ عرف أشكالًا من المقاومة اعتمدت على حرمان الذات لا على إلحاق الأذى بالآخر. الإضرابات الجماعية عن الطعام. العصيان المدني. المقاطعة الاقتصادية. تعطيل منظومات السيطرة. رفض التعاون مع البنى التي تكرس الهيمنة. هذه الأدوات ليست بديلًا كاملًا عن السياسة أو المقاومة، لكنها تستطيع إعادة تعريف الصراع أمام العالم. قد يبدو الجوع رمزًا للهزيمة، لكنه في بعض التجارب التاريخية تحول إلى أداة مقاومة. فالسلاح يمكن مصادرته، والحدود يمكن إغلاقها، والقيادات يمكن اغتيالها، أما الامتناع الواعي عن الخضوع فلا يمكن نزعه من الناس. ومن هنا تنبع قوة أدوات العصيان المدني والإضرابات الجماعية والمقاطعة المنظمة؛ فهي أدوات تجعل السلطة المسلحة عاجزة عن تحقيق نصر أخلاقي، حتى وإن امتلكت تفوقًا ماديًا ساحقًا. فالاحتلال يجيد خوض الحروب المسلحة. لكنه يجد صعوبة أكبر أمام مقاومة أخلاقية واسعة تجعل صورته السياسية أكثر هشاشة. نحو تدويل المجتمع لا تدويل القضية: خلال العقود الماضية انصب الجهد الفلسطيني بصورة أساسية على تدويل القضية سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا، لكن الوقائع على الأرض واصلت التغير بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الدولية على التدخل أو التأثير. وربما آن الأوان للانتقال إلى مستوى آخر من الفعل، يتمثل في تدويل المجتمع الفلسطيني نفسه، لا بمعنى نقل قضيته إلى الخارج فقط، بل بتحويل المجتمع الفلسطيني إلى قضية إنسانية حية ومستمرة داخل المجتمعات العالمية. فالمقصود هنا ليس استصدار بيانات جديدة أو قرارات إضافية، بل بناء شبكات تضامن دائمة داخل الجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والحركات الحقوقية والأحزاب والقوى الاجتماعية حول العالم، بحيث يصبح الدفاع عن الفلسطينيين فعلًا يوميًا مستمرًا لا موسمًا سياسيًا عابرًا. لقد أثبتت تجارب كثيرة أن التحولات الكبرى لا تصنعها الحكومات وحدها. فالحركة المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا نجحت لأنها تحولت إلى قضية عالمية داخل الجامعات والنقابات والكنائس والحركات الطلابية. كما أن حركة الحقوق المدنية الأمريكية استفادت من ضغط اجتماعي وثقافي وإعلامي واسع تجاوز حدود المؤسسات الرسمية. والفلسطينيون يملكون اليوم فرصة تاريخية لم تكن متاحة بهذا الحجم من قبل. فوسائل الاتصال الحديثة جعلت من الممكن مخاطبة الشعوب مباشرة دون وسطاء، وأصبح بمقدور الضحية أن تنقل روايتها إلى العالم لحظة وقوع الحدث. والمقصود بالتدويل هنا ليس تدويل الوطن أو استبدال الإرادة الوطنية بإرادة خارجية، بل بناء أوسع جبهة إنسانية وأخلاقية وشعبية ممكنة إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقوقه وقضيته. فإذا كان الاحتلال يسعى إلى عزل الفلسطينيين جغرافيًا، فإن التحدي الفلسطيني المقابل يجب أن يكون كسر هذا العزل أخلاقيًا وإنسانيًا وسياسيًا، وتحويل كل مساحة حرة في العالم إلى امتداد لساحة الدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية. لماذا الآن وما الذي تغير بعد السابع من أكتوبر؟ رغم المأساة الهائلة، أظهر السابع من أكتوبر وما تلاه حقيقتين تاريخيتين. الحقيقة الأولى أن الفلسطينيين لم ولن يختفوا من التاريخ ولا الجغرافيا ولن يتنازلوا عن ذاكرتهم، فبعد عقود من الاعتقاد بأن الزمن سيؤدي إلى نسيان القضية، أثبت الفلسطينيون أنهم ما زالوا مستعدين لتحمل أثمان هائلة دفاعًا عن وجودهم وهويتهم. أما الحقيقة الثانية فهي أن قطاعات متزايدة من المجتمع الإسرائيلي واليهودي العالمي بدأت تنظر إلى استمرار الصراع بوصفه مأزقًا أخلاقيًا وسياسيًا طويل الأمد قد يصل حد قدرتهم على مواصلة الوجود نفسه، ورغم أن هذه الظاهرة ما زالت محدودة، فإنها تمثل تحولًا مهمًا. فكل مشاريع التحرر الكبرى في التاريخ نجحت عندما تمكنت من إيجاد حلفاء داخل المجتمع المقابل أو في محيطه الثقافي والسياسي.، ولعل أحد أكبر الأخطاء الفلسطينية تاريخيًا كان الاعتقاد أن الصراع يمكن أن يحسم ضد المجتمع الإسرائيلي كله دفعة واحدة، بينما تشير تجارب كثيرة إلى أن التحولات العميقة تبدأ غالبًا من شقوق صغيرة داخل المجتمعات نفسها. والسؤال ما العمل وما هو الحل الممكن فالاستسلام لا يصنع حرية، كما أن التمسك بأدوات لم تعد تحقق أهدافها لا يصنع نصرًا. وما تحتاجه غزة اليوم ليس إعلان انتصار أو إعلان هزيمة، بل إنتاج اسلحة جديدة، تسمح بحماية الإنسان أولًا، وإعادة بناء المجتمع ثانيًا، واستعادة المبادرة السياسية ثالثًا ويمكنها ان تعيش طويلا دون ان تنكسر الوضع في غزة الآن: تعيش غزة اليوم حالة من الفراغ المركب؛ فراغ في السلطة، وفراغ في الإدارة، وفراغ في الاقتصاد، وفراغ في الأفق. وكأن المجتمع بأسره يقف في منطقة معلقة بين الحرب والسلام، وبين الحياة والموت، وبين ما كان وما يمكن أن يكون. وبالتالي فان وضع الراس في الرمل والانتظار سيشكل انتحارا حقيقيا للناس والقضية والوطن وما كان مستحيلا بصبح ممكنا ذلك ان كل البدائل النظرية المطروحة لا تقدم حلا حقيقيا ويبدو انها لا تسعى لذلك اللجنة الوطنية لإدارة غزة تحولت الى مشجب لا يحمل شيئا ولا يفعل شيئا ولا يملك شيئا الا مواصلة اعتباره وهما منتظرا لا يعرف أحد ماذا سيكون نتيجة انتظاره والناس لا يفعلون شيئا سوى الانتظار فلا هم يسعون لعمل جدي يعفي المقاومة من ان تكون الواجهة الإدارية المستهدفة فيحملون عنها عبئا مؤقتا ولا هم ينظمون أنفسهم بفعل ضاغط على الاحتلال سياسيا واخلاقيا ولا هم يسعون لابتكار أدوات نضال وكفاح يمكن ان تندرج تحت بند المقاومة السلكية ومثال على ذلك فالجوع قائم أصلا فلماذا لا يتم تحويله الى سلاح مقاومة بدل ان نبقيه أداة موت. حين يصبح الإنسان هو الميدان: في معظم الحروب يكون الهدف الظاهر هو السيطرة على الأرض، لكن التاريخ يعلمنا أن الصراع الأعمق يدور دائمًا حول الإنسان نفسه: إرادته، ووعيه، وقدرته على الاستمرار. فالاحتلال لا ينتصر حقًا عندما يحتل أرضًا، بل عندما يقنع أصحابها بأن المستقبل مغلق، وأن الخيارات انتهت، وأن الاستسلام هو الشكل الوحيد الممكن للعقلانية. ولهذا فإن أخطر ما يواجهه الفلسطيني اليوم ليس الجوع وحده، ولا الحصار وحده، ولا الحرب وحدها، بل خطر التحول إلى إنسان فاقد للإيمان بقدرته على الفعل وفقدان الأمل بتحقيق الانتصار. ومن هنا فإن معركة غزة الكبرى قد لا تكون معركة السلاح أصلًا، بل معركة الحفاظ على القدرة على إنتاج الأمل والمعنى والفعل في أكثر الظروف قسوة. فحين يفقد الإنسان هذه القدرة يصبح مهزومًا حتى لو امتلك السلاح، وحين يحافظ عليها يبقى قادرًا على المقاومة حتى لو جُرِّد من كل شيء. خلاصة القول: قد يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن الفلسطينيين مجبرون على الاختيار بين خيارين فقط: إما الحرب الدائمة، وإما الاستسلام المطلق. لقد جرب الفلسطينيون تسليم الاسرى لحماية الناس ولا زالت تلتزم بوقف إطلاق النار رغم كل شيء فهل غير ذلك في واقع الحال شيئا ام ان الاحتلال ازداد عنفا واوغل في الدم الفلسطيني بالنار والمنع الغذاء والماء والدواء والايواء وغيره وهو ما يعني ان الامر لا يتعلق ابدا بالسلاح بل بإصرار الاحتلال على التخلص من الشعب الفلسطيني والسطو على ارضه ولذا فان خيارات الشعب الفلسطيني مفتوحة على مصراعها وليست محصورة بين الاستسلام او الموت والفعل نفسه يتكرر بأشكال مختلفة ضد كل قوى المقاومة في المنطقة فالمطلوب تسليم السلاح في فلسطين ولبنان والعراق وكذا في ايران وغدا سيصل اليمن فهل الحل في الاستكانة ام ان الخيارات مفتوحة بلا حدود. فالتاريخ الإنساني أغنى من ذلك بكثير. والشعوب التي نجحت في البقاء لم تنتصر دائمًا بالقوة العسكرية، بل بقدرتها على إعادة ابتكار أدوات نضالها كلما تغيرت الظروف. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس الجوع وحده، ولا الدمار وحده، ولا حتى الحرب نفسها، بل أن يقتنع الناس بأنهم بلا خيارات. فحين ينجح الخصم في حصرك بين الاستسلام والموت يكون قد انتصر قبل أن تبدأ المعركة. والتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تنتصر فقط عندما تمتلك السلاح الأقوى، بل عندما تمتلك القدرة على ابتكار أدوات جديدة للنضال كلما تغيرت الظروف. لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: كيف نحافظ على السلاح؟ بل كيف نجعل من الانسان سلاح؟ وكيف نحول الجوع إلى صرخة، والوجع إلى قوة، والعطش إلى فعل، والأخلاق إلى ميدان صراع لا يستطيع أحد احتكاره أو مصادرته؟ فإما أن تُنتزع أرواح الناس بحجة نزع سلاحهم، وإما أن يتحول تمسكهم بالحياة والكرامة إلى سلاح لا يمكن نزعه من أحد. وعندها فقط يصبح البقاء نفسه فعل مقاومة، وتصبح الحياة أول أشكال الانتصار.
تقرير: شبكة قواعد سرية إسرائيلية في دول مجاورة لإيران منحت تل أبيب مدى عملياتياً غير مسبوق
اليوم 99..حرب إيران: بورصة ترامب تعلو وتهبط سياسيا..وخامنئي متخوف من الداخل
الأمم المتحدة: نقص التمويل يُقلص الخدمات الحيوية في قطاع غزة
عراقجي: نتواصل مع خامنئي وننفذ توجيهاته.. والخلاف مع الإمارات بسبب إسرائيل
نتنياهو يلغي التصويت على قرار وقف إطلاق النار مع لبنان بعد بيان نعيم قاسم
💬 التعليقات (0)