تعيش غزة اليوم فصولاً مأساوية من الإبادة الجماعية التي تُنقل تفاصيلها لحظة بلحظة عبر الشاشات، في مشهد تاريخي غير مسبوق من حيث الوضوح وحجم التوثيق. ورغم الصمت الدولي والعجز الحكومي، برزت مبادرات شعبية عالمية حاولت كسر هذا الجمود عبر قوافل برية وأساطيل بحرية تسعى لإيصال المساعدات والتعبير عن التضامن.
من بين هذه التحركات، برزت 'قافلة الصمود' التي ضمت نشطاء من دول شمال أفريقيا ومتضامنين دوليين، بهدف لفت الأنظار إلى المجاعة والحصار المفروض على القطاع. إلا أن هذه الرحلة واجهت عقبات أمنية كبرى، حيث تم اعتراضها في مدينة سرت الليبية واعتقال عدد من المشاركين فيها بعد حملات تشويه واسعة.
المثير للدهشة في التعامل الأمني مع القافلة لم يكن المنع بحد ذاته، بل حجم الذعر الذي أثارته في نفوس السلطات، وتناقض التهم الموجهة للمشاركين. فقد تراوحت الاتهامات بين التطرف الديني والعمالة الاستخباراتية، مما يعكس رغبة في خلق عدو وهمي لتبرير القمع الممارس ضد مبادرة مدنية سلمية.
تكرر المشهد ذاته مع 'قافلة الصمود 2' التي نجحت في عبور حدود وبوابات تفتيش عديدة، لتتوقف مجدداً عند تخوم مناطق سيطرة قوات حفتر في سرت. هذا التكرار يطرح تساؤلات جوهرية حول تحول هذه المدينة إلى خط أحمر يمنع تجاوزه حتى من قبل المتضامنين مع القضية الفلسطينية.
يرى مراقبون أن هذه المبادرات لا تشكل تهديداً عسكرياً حقيقياً لسلطات الأمر الواقع، وكان بإمكانها سياسياً السماح بمرورها لإلقاء الكرة في ملعب السلطات المصرية. لكن المشكلة تكمن في 'فلسفة الحشود'، حيث تخشى الأنظمة العسكرية أي تحرك جماهيري عفوي يخرج عن نطاق سيطرتها وتنسيقها الأمني المسبق.
ترتبط حساسية مدينة سرت تاريخياً بتصريحات إقليمية اعتبرتها خطاً أحمر للأمن القومي المصري، مما يجعل تأمينها جزءاً من تأمين النفوذ الإقليمي. لذا، فإن أي تجمع بشري في هذه المنطقة، مهما كانت أهدافه إنسانية، يُنظر إليه بريبة شديدة من قبل الأجهزة الأمنية التي تخشى خروج الشارع عن السيطرة.
💬 التعليقات (0)