عندما كانت جبهات الحرب تشتعل تدريجيا في أطراف العالم في بدايات المواجهة الكونية الأولى، وتزامنا مع تسارع وتيرة المد الاستعماري الذي سيزحف على جل أنحاء العالم العربي والإسلامي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بسقوط الخلافة العثمانية؛ كانت مجموعة صغيرة من المقاومين المغاربة في عمق جبال الأطلس تلقّن الجيش الفرنسي أقسى درس عسكري تلقاه في كل حملاته الاستعمارية. فقد تمكن المقاومون من قتل الجزء الأكبر من الجيش الجرار الذي بعثته فرنسا لإبادتهم، في معركة ستدخل التاريخ المغربي باسم "الهري".
و"الهري" اسم أمازيغي يعني "المَخزن"، ويطلق على قرية صغيرة تجاور مدينة خنيفرة الجبلية التي تعد حاضرة منطقة قبائل زيان الأمازيغية. وقد ارتبطت المعركة باسم قائدها موحى أوحمو الزياني، أحد أبرز رموز المقاومة المغربية، فيما كتبت فصولها قبائل رفضت الخضوع لسلطة المستعمر الذي جمع بين دكّ أطراف البلاد بنيران المدافع وانتزاع معاهدة من السلطان تمنحه حق السيطرة على المغرب.
وجاءت هذه المواجهة في سياق الحملة العسكرية الفرنسية لإخضاع المناطق المغربية لسيطرتها عقب إرغام السلطان على توقيع معاهدة الحماية عام 1912. وفي مقابل المجازر التي ارتكبها الجيش الفرنسي في مناطق واسعة من المغرب، كما حدث في أنحاء أخرى من شمال أفريقيا الخاضعة للاحتلال، اندلعت معركة الهري أواخر عام 1914 في منطقة جبلية وعرة بالأطلس المتوسط، حيث تكبد الجيش الفرنسي أكبر خسارة عسكرية له في المغرب. فقد قتل فيها نحو 700 جندي باعتراف فرنسي رسمي، بينهم أكثر من 30 ضابطا، وذلك في مواجهة قبائل محلية لم تملك سوى بنادق بدائية وفؤوس وأسلحة بيضاء.
منطقة الأطلس.. ثورة الجبال تنتقم للسهول المحتلة
تعتبر معركة الهري أكبر انتصار عسكري حققه المغاربة في مواجهة المد الاستعماري الفرنسي، رغم المقاومة الباسلة التي واجهوا بها أولى الهجمات التي استهدفت شرق المغرب انطلاقا من الجزائر المحتلة وقتها، والدار البيضاء انطلاقا من السواحل الأطلسية.
فالسهولة التي اجتاح بها الجيش الفرنسي السهول والمناطق المنبسطة من المغرب، شرقا وغربا، تحوّلت إلى مستنقع في المناطق الجبلية، سواء منها جبال الأطلس الفاصلة بين مدينتي فاس (عاصمة المغرب لحظة احتلاله) ومدينة مراكش (العاصمة التاريخية للمغرب)، أو تلك الواقعة بين مدينة فاس والحدود الشرقية للمغرب التي اجتاحها الفرنسيون انطلاقا من الجزائر المحتلة.
💬 التعليقات (0)