رافق انتهاء المؤتمر الثامن لحركة فتح وانتخاب قيادات جديدة في الحركة شعور واسع بالتفاؤل لدى شرائح كبيرة من موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، الذين ينظرون إلى هذه المرحلة بوصفها فرصة حقيقية لإعادة فتح الملفات العالقة، وفي مقدمتها ملف التقاعد المالي الإجباري، الذي شكل طوال السنوات الماضية أحد أكثر القضايا إيلامًا وتأثيرًا على آلاف الموظفين وأسرهم.
فمنذ فرض قرار التقاعد المالي على موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة عام 2017، من خلال حكومة الدكتور رامي الحمد الله، يعيش المتضررون حالة من القلق وعدم الاستقرار، نتيجة ما ترتب على القرار من آثار اقتصادية واجتماعية قاسية. وقد زاد من حدة الأزمة أن القرار طُبّق على موظفي غزة دون غيرهم من موظفي المحافظات الشمالية، الأمر الذي اعتبره المتضررون إجراءً تمييزيًا مسّ بمبدأ العدالة والمساواة بين أبناء المؤسسة الواحدة.
ولا ينظر الموظفون إلى هذه القضية باعتبارها مطلبا ماليا فقط، بل بوصفها قضية إنسانية وقانونية ووطنية تمس كرامة الموظف وحقه في حياة مستقرة بعد سنوات طويلة من الخدمة. فالتقاعد، في جوهره، نظام وُجد لحماية الموظف وأسرته، لا ليكون وسيلة للعقاب أو الإقصاء أو تحميل فئة بعينها أعباء الانقسام والظروف السياسية.
ويرى خبراء قانونيون أن استمرار هذا الملف دون معالجة عادلة يتعارض مع فلسفة التقاعد القائمة على الحماية الاجتماعية، كما يثير تساؤلات قانونية جدية بشأن انسجام القرار مع أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، وقانون الخدمة المدنية، إضافة إلى قانون التقاعد العام رقم (7) لسنة 2005 وتعديلاته.
ومع انتخاب وجوه جديدة في قيادة حركة فتح، تتجدد آمال الموظفين بأن تُترجم التصريحات والوعود إلى خطوات عملية واضحة، تبدأ بإعادة النظر في القرار وآثاره، وإنصاف المتضررين، وردّ الاعتبار لهم، بما يعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية ويطوي صفحة مؤلمة من صفحات الانقسام الإداري والمالي، سيما أن أثر القرار لم يقتصر على الموظفين أنفسهم، بل امتد إلى أسرهم التي وجدت نفسها أمام تراجع حاد في مستويات الدخل، في مرحلة عمرية تكون فيها الالتزامات الأسرية والمالية في ذروتها. فإحالة الموظف إلى التقاعد قبل بلوغه السن القانونية تعني عمليًا تقليص دخله في وقت تتزايد فيه احتياجات أسرته، ما ينعكس سلبًا على قدرته على الوفاء بالتزاماته المعيشية والتعليمية والصحية.
ورغم التبريرات الرسمية التي رافقت القرار، والتي تحدثت عن إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وترشيد النفقات العامة في ظل الأزمة المالية، فإن منتقدي القرار يرون أن التقاعد المالي لا يمكن أن يشكل حلاً للأزمات الاقتصادية، خاصة أن أنظمة التقاعد في مختلف دول العالم صُممت لضمان حياة كريمة للمتقاعدين، لا لتكون أداة لمعالجة العجز المالي.
💬 التعليقات (0)