الكاتب: نورهان عبد الكريم حمودة
في تاريخ الحركات الوطنية رجالٌ لا تُقاس أدوارهم بعدد الخطب التي ألقوها، بل بحجم المؤسسات التي حافظوا عليها، وبقدرتهم على صون الشرعية في أكثر اللحظات تعقيداً. ومن بين هؤلاء يبرز اسم منير سلامة، الرجل الذي ارتبط اسمه لعقود طويلة بإدارة أهم المحطات التنظيمية والوطنية الفلسطينية.
لم يكن اختيار منير سلامة لإدارة المؤتمرات والاستحقاقات الكبرى داخل حركة فتح وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسيرة طويلة من العمل الدؤوب والخبرة المتراكمة. فمنذ مشاركته في إدارة دورات المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، مروراً بالدورة التاريخية التي شهدت إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، وصولاً إلى المؤتمر السادس ثم المؤتمر السابع، وأخيراً المؤتمر الثامن للحركة، ظل سلامة حاضراً في قلب المشهد التنظيمي، حارساً للإجراءات، ومهندساً للتفاصيل التي تصنع نجاح الأحداث الكبرى.
لقد أثبتت السنوات أن بناء المؤسسات أصعب بكثير من إطلاق الشعارات. فالمؤتمرات الوطنية ليست مجرد قاعات واجتماعات، بل امتحان حقيقي لقدرة الحركة على تجديد شرعيتها وصون وحدتها وإدارة خلافاتها ضمن الأطر الديمقراطية. وهنا تحديداً برز دور منير سلامة، الذي ارتبط اسمه بالعمل التنظيمي الهادئ والمهني، بعيداً عن الأضواء، وقريباً من جوهر المهمة الوطنية.
وفي زمنٍ بات فيه كثيرون يتحدثون عن الديمقراطية دون أن يمارسوها، كان رجال من طراز منير سلامة يعملون على تحويلها إلى إجراءات واضحة وصناديق اقتراع وآليات شفافة تحفظ للحركة مكانتها وتاريخها. وقد شهدت المؤتمرات التي أشرف عليها عمليات انتخابية وتنظيمية شكلت محطات مفصلية في مسيرة حركة فتح وتجديد مؤسساتها القيادية.
إن الحركات الكبرى لا تعيش فقط بقادتها التاريخيين، بل أيضاً بأولئك الجنود المجهولين الذين يحمون مؤسساتها من الفوضى ويحافظون على انتظام عملها واستمرارها. ومنير سلامة يمثل نموذجاً لهذا الجيل الذي أدرك أن قوة فتح لم تكن يوماً في الشعارات وحدها، بل في قدرتها الدائمة على تجديد نفسها والحفاظ على مؤسساتها الوطنية والتنظيمية.
💬 التعليقات (0)