لم يعد حضور صنّاع 'الترند' مقتصرًا على منصات التواصل الاجتماعي، بل تمدد ليشمل شاشات التلفزة ووسائل الإعلام التقليدية، حيث باتوا يتصدرون النقاشات العامة ويخوضون في قضايا تخصصية دون دراية كافية. هذا التحول فرض واقعاً جديداً يتم فيه تقديم هؤلاء المؤثرين كمرجعيات فكرية تحت مسمى 'الكرونيكور'، مما يساهم في تغلغل آرائهم الانطباعية داخل المجتمع وتحويلها إلى مسلمات تؤثر في الوعي الجمعي.
في تونس على سبيل المثال، وصل الأمر إلى توظيف المؤثرين في الأعمال الدرامية الرمضانية بدافع الربح المادي البحت وزيادة نسب المشاهدة. هذا التوجه أرسى تقاليد تسويقية جديدة تعتمد على 'الهوس الرقمي'، مما أدى إلى تعميق الفجوة بين المحتوى القيمي وبين ما يطلبه الجمهور في سوق الإعلانات والمشاهدات السريعة.
يرى الروائي والباحث الجزائري بومدين بلكبير أن ما يحدث ليس مجرد تحول عابر، بل هو تغيير بنيوي أعاد تشكيل موقع المثقف داخل فضاء تحكمه خوارزميات التسليع. ويشير بلكبير إلى أن الأنظمة السياسية فطنت لهذا التحول، فاستبدلت القمع المباشر باستراتيجية تمييع المشهد وإغراقه في موجات من الترفيه السطحي لدفن الحقيقة وسط 'الترندات'.
من جانبها، تعتبر الإعلامية التونسية حنان الفرجاني أن آليات إنتاج المعرفة وتداولها تغيرت جذرياً، مما وضع المثقف التقليدي في مأزق. وتوضح أن الإشكالية تكمن في تمسك النخبة بـ 'وصاية' عفا عليها الزمن، في حين وفرت المنصات الرقمية مساحات من الحرية والمجهولية لصناعة رأي عام عاطفي وسريع وعنيف أحياناً.
وتضيف الفرجاني أن المثقف يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية لأنه لم يستشرف التحولات الرقمية العميقة وترفع عنها في بداياتها. هذا الانعزال جعل الخطاب الأكاديمي النخبوي عاجزاً عن التواصل مع واقع الناس واهتماماتهم اليومية، مما ترك فراغاً كبيراً سارع 'الفاعلون الجدد' إلى ملئه بكل سهولة.
في المقابل، تربط الكاتبة اللبنانية ميشلين مبارك تراجع دور المثقف بتراجع القضايا العربية الكبرى التي كانت توحد الشعوب. وترى مبارك أن سيطرة المؤسسات التكنولوجية العالمية على الخوارزميات ساهمت بشكل مباشر في تقدم 'دولة التفاهة' على حساب الفكر الرصين الذي يحتاج إلى تأمل ووقت.
💬 التعليقات (0)