تمر تونس اليوم بمنعطف تاريخي يتجاوز مجرد الصراعات السياسية التقليدية، حيث تتحول الوقائع القضائية إلى أسئلة وجودية تمس جوهر العدالة ومصير الوطن. إن الأحكام الثقيلة الصادرة مؤخراً في قضية ما يُعرف بـ 'الجهاز السري' تضع البلاد أمام وقفة ضمير تستدعي تأملاً عميقاً في المسار الذي آلت إليه الأوضاع بعد عقود من النضال.
لقد شهدت تونس منذ استقلالها تجارب متباينة في بناء الدولة الوطنية، بدأت بوضع الأسس الحديثة في عهد بورقيبة رغم ضيق مساحة التعددية. ثم تلتها مرحلة بن علي التي اتسمت بتمدد القبضة الأمنية وتراكم المظالم، مما دفع بآلاف التونسيين إلى غياهب السجون والمنافي القسرية.
جاءت ثورة الحرية والكرامة عام 2011 كفرصة استثنائية لبناء نموذج ديمقراطي عربي ناجح يعتمد التداول السلمي على السلطة. وكان الأمل معقوداً على إدارة الاختلافات عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات الدستورية بدلاً من سياسات الإقصاء والزنازين التي طبعت العهود السابقة.
إلا أن هذا الانتقال الديمقراطي واجه مقاومة شرسة من قوى متعددة، بعضها ينتمي للمنظومات القديمة وبعضها استثمر في حالة الاستقطاب الحاد. هذا الصراع المفتوح استنزف طاقات الوطن وأحلام الشباب، محولاً الثورة من جسر نحو المستقبل إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
وعند النظر إلى الأحكام القضائية الأخيرة التي تراوحت بين السجن المؤبد وعشرات السنين، يبرز الأثر النفسي والإنساني العميق الذي تتركه في الوعي العام. فالقضية هنا تخرج من إطارها القانوني الضيق لتلامس فضاء الإنسان وحقوقه الأساسية في العيش بكرامة وحرية.
خلف هذه الأرقام الصارمة توجد حكايات إنسانية وعائلات تنتظر خلف الأبواب المغلقة، وأعمار تضيع في غياهب السجون. إن اسم راشد الغنوشي، الذي تجاوز الثمانين من عمره، يختزل مسيرة طويلة من الفكر والسياسة والملاحقة التي لم تنتهِ حتى في خريف عمره.
💬 التعليقات (0)