التذمر في وجهك أينما توجهت.. يمينا أو يسارا، وعلى مسمعك كيفما تكلمت رأيا كان أو فكرة أو مقترحا، فمعظمهم يتذمرون، وإذا سألتهم عن السبب يضاعفون جرعة يضطر العاقل لابتلاعها حتى لا يبلغ هاوية التذمر.
لا يحسن المتذمرون إلا الشكوى، والتشكيك، وكتابة وصفة علاج سريعة (كوجبة الماكدونالد) بعد تحميل مسؤوليات الفعل المبني للمجهول لفاعل غير معلوم وفي كثير من الأحيان غير موجود أصلا!!!. وإذا تعمقت بالموضوع وضبطت نفسك حتى لا تتذمر من كم التنجيم وقراءة فنجان نزار قباني حيث الطريق المسدود.. وكيف أنه موصود ومسدود ثم مسدود وموصود، فيصيبك الاستغراب بصدمة ويسري في بدنك كالقشعريرة، عما تسمعه من مؤلفات سمعية وبصرية وأخرى حسية، فيما ينسبها متذمرون آخرون الى مشاعرهم الفياضة حول قضايا وملفات آنية، وسابقة ومستقبلية، تبدو كأوراق ممزقة شبيهة بكتب ودفاتر المرحلة الأساسية والإعدادية والثانوية التي يعبث بها الهواء بعد عبث المتذمرين من التعلم بعد انتهاء الامتحانات، فأوراق كتب الكيمياء تختلط بالتاريخ، والجغرافيا بالفيزياء وهكذا، حتى يمكنك قراءة أسرار مراهقين نسوا الاحتفاظ بصفحاتها أو على الأقل نزعها من دفاترهم المركونة عند الحاويات الخاصة لرمي فضلات المنازل اليومية.
ولك يا سيدي أن تتخيل فقيرا يقف مندهشا أمام كتب وكراسات ليس عليها أكثر (شخبطات) لو سألت راميها ما هذا؟ لأجابك: "أعربت عن تذمري"!!! يندهش المسكين لكنه لا يملك موهبة او حرفة التذمر، فيطوي خطواته حاسبا كم الجهد والعرق الذي بذله لتأمين مثل تلك الكراسة أو لشراء كتاب أو أطلس يساعد ابنه في تحصيل درجة أفضل، حتى لا يسقط في وحل التذمر!.
متذمرون من السياسة والإعلام والمؤتمرات والأحداث، لكنهم ينافسون نجوم فضائيات من أصحاب مراكز ومسميات إستراتيجية، يغرقون الملفات الوطنية ولا العربية ولا الدولية بمستنقعات عميقة متعكرة، ثم يقولون لك إنهم يقرأون ما بين السطور، وأن هدهد سليمان قد أعلمهم بما عجزت عن تصويره أقمار إيلون ماسك الصناعية العملاقة الخاصة بأبحاث الأرض والفضاء على حد سواء.
يخبرونك عن الحلول رغم إقرارهم أنهم لم يقرأوا ولم يتابعوا ولم يتمعنوا حتى بصور وتقارير نشرة أخبار، ورغم ذلك متذمرون لأن أحدا لا يأخذ تهريفاتهم على محمل الجد، وأن ذلك الذي أمضى نصف قرن من عمره في البحث والتخطيط وإبداع مدارس السياسة، أو الاقتصاد، أو علم الاجتماع، والثقافة الإنسانية، والفلسفة والعلوم هو علة تذمره، هكذا وبدون ذكر سبب واحد! فالأهم أن (أبو العريف) يعتقد أن التجهم ودلق القرف على المشهد العام اللحظي انعكاس لتذمره، وكأن رضاه -الذي لن يبلغه حكيم أو أيوب عصره- هو الحل لمشاكل البلد والإقليم والشرق الأوسط، وقطع أثر (فيروس ايبولا) إلى الأبد !!
والمشكلة المروعة أن هذا يشارك المتذمرين من غلاء أسعار الخضراوات والغلال (الفواكه) واللحوم ومشتقات الألبان.. لكنه ما أجاب يوما على سؤال: لماذا أهمل وارث عن أبيه وجده أرضا مزروعة، أو صالحة للزراعة، أو بستان ثمار صيفية أو خريفية، وجرى مهرولا نحو أجر يومي ظن أنه دائم خالد كديمومة (الأرض االموروثة) وهو يعلم أن الخير في الأرض لا ينضب، حتى لو مر عليها قانون الطبيعة (سنوات عجاف) فالأصل ألا تجف وتتيبس العقول، فالأرض قد تخضر بالماء، لكنها لا تحيا ولا تمنحنا الحَبَ والحُب إلا إذا منحناها الرضا والإخلاص بالعمل، فالمتذمر كالقش، أو الفروع الهشة المنكسرة من أول هبة ريح، تجرفه مياه الوادي، أو ربما يحزم في رزمة مصيرها مجهول.
💬 التعليقات (0)