في ظل أجواء مشحونة بالخلافات السياسية الحادة، انطلقت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماعات تشاورية مكثفة تمتد من الثالث وحتى الخامس من يونيو الجاري. تهدف هذه اللقاءات، التي ترعاها 'الآلية الخماسية' الدولية، إلى إيجاد مخرج للأزمة السودانية المتفاقمة وتحريك جمود العملية السياسية المتعثرة منذ اندلاع المواجهات المسلحة.
ورغم الزخم الدولي المحيط بهذه الاجتماعات، إلا أن مراقبين يرون أن فرص نجاحها تظل رهينة بتجاوز إرث الفشل في المحاولات السابقة. فالمشهد السوداني يعاني من انقسامات عميقة تتجاوز مجرد الخلاف على السلطة، لتصل إلى حد الصراع الوجودي الذي يهدد وحدة البلاد واستقرارها المجتمعي.
تعد أزمة التمثيل والشرعية من أبرز العقبات التي تواجه أي مبادرة سياسية حالية، حيث تفتقر معظم القوى المشاركة إلى تفويض شعبي حقيقي يمنحها القدرة على فرض الحلول. هذا الواقع جعل من المشاركة في المؤتمرات الدولية وسيلة للبقاء في الخارطة السياسية أكثر من كونها سعياً جاداً لإنهاء المعاناة الإنسانية على الأرض.
من جانب آخر، تبرز إشكالية تغييب الأطراف الفاعلة ومحاولات تهميش المؤسسة العسكرية كعامل معطل لأي تقدم ملموس. فالجيش السوداني ينظر بريبة إلى هذه التحركات، معتبراً إياها محاولات للالتفاف على دوره السيادي، مما يعزز حالة انعدام الثقة بين المكونات العسكرية والمدنية.
وتلعب عقلية الإقصاء المتبادل دوراً محورياً في إطالة أمد الأزمة، حيث تضع بعض التحالفات السياسية شروطاً مسبقة لإبعاد خصومها الأيديولوجيين من المشهد تماماً. هذا النهج الإقصائي، وخاصة تجاه التيار الإسلامي أو القوى المدنية المعارضة، يحول الحوار الوطني إلى ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من بناء التوافق.
إن التجارب التاريخية في السودان ودول الجوار تؤكد أن الإقصاء الشامل لا يقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات وتعميق الجراح الوطنية. فالمطالبة باختفاء الخصم كشرط للحل السياسي هي وصفة للاستمرار في دوامة العنف، حيث تصبح الحرب الوسيلة الوحيدة للأطراف المهمشة لإثبات وجودها.
💬 التعليقات (0)