تشهد الساحة اللبنانية تحولاً جذرياً في المعادلات الميدانية والسياسية، مدفوعاً بتهديدات إيرانية صريحة وضعت ضاحية بيروت الجنوبية في كفة ميزان واحدة مع مدن الشمال الإسرائيلي. هذا التهديد بمقايضة التهجير بالتهجير والدمار بالدمار، فرض واقعاً جديداً يبدو أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بدأ يستوعب أبعاده مرغماً.
لم يجد نتنياهو مفراً من الاستجابة لضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف التهديدات الواسعة، رغم ادعاءاته السابقة بأن قرار التصعيد قد اتخذ بالفعل بالتنسيق مع قيادة الأركان. ومع ذلك، يحاول نتنياهو إبقاء ثغرة لعمليات محدودة في الضاحية مع استمرار حرية القصف في الجنوب اللبناني، سعياً للحفاظ على ماء وجهه السياسي.
تدرك الأوساط السياسية أن نتنياهو يعيش مرحلة حرجة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع المصير الشخصي، وهو ما يدفعه لممارسة "ثعلبية" سياسية لمحاولة الالتفاف على القيود الجديدة. إلا أن الواقع الميداني وتردي أوضاع قواته في الجنوب باتا يفرضان قيوداً لا يمكن تجاوزها بسهولة، خاصة مع تزايد مؤشرات حرب الاستنزاف.
فهم نتنياهو جيداً أن توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة لا تتقاطع بالضرورة مع طموحاته العسكرية، حيث يبدو ترامب مستعداً لتجميد الصراع في لبنان كجزء من صفقة كبرى مع إيران. هذا التوجه الأمريكي أثار رعباً في الأوساط الإسرائيلية، خاصة مع ورود أنباء عن اتصالات بين مساعدي ترامب وأطراف لبنانية فاعلة.
خسر نتنياهو في هذه المرحلة أربع أوراق استراتيجية كانت تشكل ركيزة لخططه، أولها ورقة استهداف العاصمة بيروت التي كانت بمثابة "ذخر" احتياطي للضغط عند تدهور الأوضاع الميدانية. ومع خروج بيروت من معادلة القصف السهل، يجد الاحتلال نفسه محاصراً في جبهة استنزاف لا أفق واضحاً لها.
الورقة الثانية التي بدأت تتلاشى هي الرهان على دور السلطة الرسمية في لبنان أو إحداث صدام داخلي لبناني يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية. فقد أثبتت التطورات أن القوى الفاعلة على الأرض هي التي تدير الدفة، بينما تراجع دور المؤسسات الرسمية إلى مجرد إطار بروتوكولي لا يملك القدرة على تغيير الواقع الميداني.
💬 التعليقات (0)